<link rel="stylesheet" href="https://cdn.plyr.io/3.7.8/plyr.css" />
العودة إلى الكتالوجBYTبناء لاهوتك
بناء لاهوتك ·Videoمترجم من الإنجليزية

BYT-01 ما هي اللاهوت؟

فيديو مصاحب للدرس الأول من نفس السلسلة يطرح الأسئلة التالية: كيف تختلف الأرثوبراكسيس والأرثوباتوس عن الأرثوذكسية؟ ما هي بعض الأمثلة على الأرثوذكسية والأرثوبراكسيس والأرثوباتوس؟ هل تضيف الأرثوبراكسيس مطلبًا من الأعمال إلى الإنجيل؟ أيهما أساسي: الأرثوذكسية أم الأرثوبراكسيس أم الأرثوباتوس؟ كيف ترتبط الأرثوذكسية والأرثوبراكسيس والأرثوباتوس؟ ما هي شبكة التبادلات المتعددة؟ كيف يمكننا تحقيق توازن بين الأرثوذكسية والأرثوبراكسيس والأرثوباتوس؟ كيف يمكننا حل التوترات بين الأرثوذكسية والأرثوبراكسيس والأرثوباتوس؟ لماذا تحمل السلسلة عنوان "بناء لاهوتك"؟ هل من الكتابي الانخراط في اللاهوت الرسمي؟ هل يؤثر التوجهان الأكاديمي والحياتي نحو اللاهوت على بعضهما البعض؟ كيف يمكننا توسيع توجهنا نحو اللاهوت؟ هل اللاهوت الرسمي هو أفضل طريقة لاكتشاف الحقيقة؟ هل يجب أن نقيم الوحي العام من حيث الأرثوذكسية والأرثوبراكسيس والأرثوباتوس؟ هل يجب أن تكون ذكيًا لفعل اللاهوت؟ كيف ترتبط الدراسات الكتابية وتاريخ اللاهوت واللاهوت العملي؟ لماذا تجد المعاهد اللاهوتية صعوبة في تعليم اللاهوت العملي؟


From the transcript

لَقَدْ رَأَى مُعْظَمُنَا فِي وَقْتٍ أَوْ آخِرِ أَطْفَالًا صِغَارًا يَبْنُونَ أَشْيَاءَ، وَعَادَةً لَا يَصْنَعُ الْأَطْفَالُ خُطَطًا تَفْصِيلِيَّةً مُعَقَّدَةً لِفِعْلِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ بِبَسَاطَةٍ يَضُمُّونَ الْأَجْزَاءَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ حَسْبَ مَا يَرَوْنَهُ أَفْضَلَ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ؛ وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَقُومُ الْكِبَارُ بِبِنَاءِ أَشْيَاءَ، كَبُيُوتٍ أَوْ مَبَانٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُمْ يُدْرِكُونَ مَدَى أَهَمِّيَّةِ وُجُودِ خُطَّةٍ مَوْثُوقَةٍ وَمَدَى أَهَمِّيَّةِ تَنْفِيذِ هَذِهِ الْخُطَّةِ بِأَكْبَرِ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنْ الْحِرْصِ.

وَمِنْ نَوَاحٍ كَثِيرَةٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَنْطَبِقَ الْأَمْرُ ذَاتُهُ عِنْدَمَا يَبْنِي أَتْبَاعُ الْمَسِيحِ فِكْرَهُمْ اللَّاهُوتِيَّ، فَعِلْمُ اللَّاهُوتِ لَيْسَ بِالْأَمْرِ. بَلْ إِنَّنَا نَعِيشُ وَنَعْمَلُ وَنَعْبُدُ كُلَّ يَوْمٍ فِي حَيَاتِنَا دَاخِلَ الْأَبْنِيَةِ الَّتِي يُقَدِّمُهَا عِلْمُ اللَّاهُوتِ الْمَسِيحِيِّ؛ وَلِهَذَا السَّبَبِ مِنْ الْمُهِمِّ أَنْ يَكُونَ لَدَيْنَا خُطَّةٌ مَوْثُوقَةٌ وَأَنْ نُنَفِّذَ هَذِهِ الْخُطَّةَ بِأَكْبَرِ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنْ الْحِرْصِ وَنَحْنُ نَبْنِي فِكْرَنَا اللَّاهُوتِيَّ الْمَسِيحِيَّ.

في هَذَا هُوَ الدَّرْسُ الْأَوَّلُ فِي سِلْسِلَتِنَا بِنَاءُ فِكْرِكَ اللَّاهُوتِيِّ سَنَسْتَكْشِفُ فِي هَذِهِ اَلسِّلْسِلَةِ بَعْضَ اَلِاتِّجَاهَاتِ اَلْأَسَاسِيَّةِ اَلَّتِي يَنْبَغِي عَلَيْنَا اِتِّبَاعُهَا لِبِنَاءِ فِكْرٍ لَاهُوتِيٍّ مَسْؤُولٍ، أَي فِكْرٍ لَاهُوتِيٍّ يُكْرِمُ اَللَّهَ وَيُعَزِّزُ مَقَاصِدَهُ لِحَيَاتِنَا. إِنَّ هَذَا الدَّرْسَ بِعُنْوَانِ "مَا هُوَ عِلْمُ اللَّاهُوتِ؟" وَسَتَتَطَرَّقُ إِجَابَتُنَا عَنْ هَذَا السُّؤَالِ إِلَى بَعْضِ الِاعْتِبَارَاتِ الْجَوْهَرِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ نَتَذَكَّرَهَا وَنَحْنُ نَدْرُسُ عِلْمَ اللَّاهُوتِ الْمَسِيحِيِّ وَنَعِيشُهُ.

سَيَنْقَسِمُ دَرْسُنَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ رَئِيسِيَّةٍ: أَوَّلًا- سَنَنْظُرُ فِي تَعْرِيفَاتِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ؛ ثَانِيًا- سَنَسْتَكْشِفُ أَهْدَافَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ؛ ثَالِثًا- سَنَتَطَرَّقُ إِلَى مَوْضُوعَاتِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ. لِنَبْدَأَ بِتَعْرِيفِ مَا نَعْنِيهِ بِمُصْطَلَحِ "عِلْمُ اللَّاهُوتِ".

يَسْتَخْدِمُ الْمَسِيحِيُّونَ كَلِمَةَ "عِلْمُ اللَّاهُوتِ" كَثِيرًا لِدَرَجَةٍ قَدْ تَجْعَلُكَ تَعْتَقِدُ أَنَّنَا جَمِيعًا مُتَّفِقُونَ حَوْلَ مَا تَعْنِيهِ. وَلَكِنْ عَلَى مَرِّ اَلْقُرُونِ رَوَّجَ لَاهُوتِيُّونَ بَارِزُونَ مَفَاهِيمَ مُخْتَلِفَةً لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ الْمَسِيحِيِّ. إِنَّ الْكَلِمَةَ نَفْسَهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْفَلْسَفَةِ الْيُونَانِيَّةِ الْقَدِيمَةِ قَبْلَ أَيَّامِ الرَّبِّ يَسُوعَ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَظْهَرُ أَبَدًا فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، فَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ (التَّرْجَمَةُ الْيُونَانِيَّةُ الْقَدِيمَةُ لِلْعَهْدِ الْقَدِيمِ) وَلَا تَظْهَرُ أَيْضًا فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ. وَيَرْجِعُ ذَلِكَ عَلَى الْأَرْجَحِ إِلَى أَنَّ كَلِمَةَ "عِلْمُ اللَّاهُوتِ" كَانَ لَهَا دَلَالَاتٌ وَثَنِيَّةٌ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً لَدَى الْمُؤْمِنِينَ الْأَوَائِلِ، وَمَعَ ذَلِكَ بَدَأَ الْمَسِيحِيُّونَ فِي تَبَنِّي مُصْطَلَحِ "عِلْمُ اللَّاهُوتِ" لَيْسَ بَعْدَ وَقْتِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ بِكَثِيرٍ، وَقَدْ أَصْبَحَ مُصْطَلَحًا مُعْتَادًا فِي مُفْرَدَاتِنَا الْمَسِيحِيَّةِ الْيَوْمَ. وَلَكِنَّنَا بِالتَّأْكِيدِ عَبْرَ آلَافِ السِّنِينَ قَدْ فَهِمْنَا مَا يَعْنِيهِ هَذَا الْمُصْطَلَحُ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ. لِذَا مِنْ الْمُهِمِّ أَنْ نُوَضِّحَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ مَفْهُومَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ الَّذِي سَنَتْبَعُهُ فِي هَذِهِ السِّلْسِلَةِ.

سَنُنَاقِشُ تَعْرِيفَاتِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ بِثَلَاثِ طُرُقٍ: أَوَّلًا- سَنُقَدِّمُ أَرْبَعَة تَعْرِيفَاتٍ نموذجيّةٍ؛ ثَانِيًا- سَنَصِفُ النَّزَعَاتِ الَّتِي تُمَثِّلُهَا هَذِهِ التَّعْرِيفَاتُ؛ ثَالِثًا- سَنَتَطَرَّقُ إِلَى بَعْضِ التَّقْيِيمَاتِ لِنِقَاطِ الْقُوَّةِ وَنِقَاطِ الضَّعْفِ فِي هَذِهِ النَّزَعَاتِ. لِنَبْدَأَ بِالْإِشَارَةِ إِلَى أَرْبَعَة تَعْرِيفَاتٍ نموذجيّةٍ لِمُصْطَلَحِ "عِلْمُ اللَّاهُوتِ".

هُنَاكَ مَعْنًى مَا بِحَسْبِ رُوميَةَ 1 فِيهِ يَنْخَرِطُ كُلُّ الْبَشَرِ فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ حَيَاتِهِمْ. فَقَدْ شَرَحَ بُولُسُ فِي هَذَا الْجُزْءِ أَنَّ أُمُورَ اللَّهِ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ وَمُتَطَلَّبَاتِهِ الْأَخْلَاقِيَّةَ قَدْ أُعْلِنَتْ لِلْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ مُنْذُ الْبَدْءِ مِنْ خِلَالِ الْخَلِيقَةِ. وَعِنْدَمَا يَتَوَاجَهُ حَتَّى غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِإِعْلَانِ اللَّهِ فِي الْخَلِيقَةِ، يَتَفَكَّرُونَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دُونِ وَعْيٍ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فِي اللَّهِ وَفِي مُتَطَلَّبَاتِهِ الْعَادِلَةِ. وَكَذَلِكَ يَقْضِي الْمُؤْمِنُونَ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ، الْكَثِيرَ مِنْ وَقْتِهِمْ يتَفَكِّرِونَ فِي اللَّهِ. غَيْرَ أَنَّنَا فِي هَذِهِ السِّلْسِلَةِ نُرِيدُ التَّرْكِيزَ عَلَى عِلْمِ اللَّاهُوتِ بِاعْتِبَارِهِ مُهِمَّةً رَسْمِيَّةً بِشَكْلٍ أَكْبَرَ، مُهِمَّةً يَقُومُ بِهَا أَشْخَاصٌ يَبْذُلُونَ جُهُودًا مُتَضَافِرَةً وَمُسْتَنِيرَةً لِمُمَارَسَةِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ بِاعْتِبَارِهِ تَخَصُّصًا مِنْ تَخَصُّصَاتِ الدِّرَاسَةِ.

تُوجَدُ طُرُقٌ لَا تُحْصَى عَرَّفَ بِهَا الْمَسِيحِيُّونَ وَغَيْرُ الْمَسِيحِيِّينَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ التَّخَصُّصَ الرَّسْمِيَّ الْمُتَعَلِّقَ بِعِلْمِ اللَّاهُوتِ. وَلَكِنْ لِأَغْرَاضِنَا هُنَا سَنَقْتَصِرُ فَقَطْ عَلَى عَيِّنَةٍ مِنْ التَّعْرِيفَاتِ النموذجيّة لِأَرْبَعَةِ عُلَمَاءَ لَاهُوتٍ مَسِيحِيِّينَ مُبَجَّلِينَ هم: تُومَا اَلْأَكْوِينِيُّ، تشَارْلِز هُودْچ، وِيلْيَام إِيمِس، وَاللَّاهُوتِيُّ الْمُعَاصِرُ چُون فِريم. تَأَمَّلْ أَوَّلًا كَيْفَ عَرَفَ تُومَا الْأَكْوِينِيُّ عِلْمَ اللَّاهُوتِ.

يُمَثِّلُ تُومَا اَلْأَكْوِينِيُّ، اَللَّاهُوتِيُّ الْكَاثُولِيكِيُّ الرُّومَانِيُّ الشَّهِيرُ الَّذِي عَاشَ فِي الْفَتْرَةِ [تَقْرِيبًا مِنْ عَامِ 1225م حَتَّى عَامِ 1274م، تَعْرِيفًا تَقْلِيدِيًّا إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ. لَقَدْ تَشَكَّلَتْ وُجُهَاتُ نَظَرِهِ مِنْ مُمَارَسَاتِ اللَّاهُوتِيِّينَ الَّذِينَ عَاشُوا قَبْلَهُ، وَلَا تَزَالُ آرَاؤُهُ إِلَى الْيَوْمِ مُؤَثِّرَةً فِي اللَّاهُوتِيِّينَ فِي فُرُوعٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْكَنِيسَةِ.

يُعَدُّ تُومَا الْأَكْوِينِيُّ مَصْدَرَ إِلْهَامٍ ضَخْمًا بِالنِّسْبَةِ لِي؛ إِذْ يُجَسِّدُ تُومَا لَنَا كَيْفَ يُمْكِنُنَا مُقَارَبَةُ نُصُوصِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسَةِ وَالتَّعَالِيمِ الْمَسِيحِيَّةِ وَالرَّغْبَةُ فِي أَنْ نَكُونَ أُمَنَاءَ لِهَذَا مِنْ جِهَةٍ، وَكَيْفَ يُمْكِنُنَا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ مُقَارَبَةُ أَيْضًا كُلِّ الْمُدْخَلَاتِ وَكُلِّ الْمُعْطَيَاتِ وَكُلِّ الْأَبْحَاثِ وَكُلِّ الْحَرَكَاتِ فِي الْفَلْسَفَةِ وَالْعِلْمِ السَّائِدَيْنِ فِي يَوْمِنَا. لَقَدْ عُرِفَ تُومَا بِأَنَّهُ الْمُوَلِّفُ الْعَظِيمُ بِسَبَبِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي جَمَعَ بِهَا بَيْنَ الْفِكْرِ الْأَرِسْطِيِّ وَالْفِكْرِ الْمَسِيحِيِّ، وَاَلَّتِي لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْتَقِدُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنَّ هَذَا مُمْكِنٌ. أَوَّلًا- كَانَ أَرِسْطُو قَدْ نُسِيَ نَوْعًا مَا، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أُعِيدَ تَقْدِيمُهُ لِلْعَالَمِ الْغَرْبِيِّ مِنْ خِلَالِ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ تَرْجَمُوا أَعْمَالَهُ إِلَى اللُّغَةِ اللَّاتِينِيَّةِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْجَمِيعُ مِنْ قِرَاءَتِهَا مَرَّةً أُخْرَى. ثُمَّ عِنْدَمَا أُعِيدَ اكْتِشَافُ أَرِسْطُو انْتَابَ الْعَالَمَ الْمَسِيحِيَّ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بَعْضُ الذُّعْرِ لِأَنَّ الْجَمِيعَ أَدْرَكُوا أَنَّ أَرِسْطُو كَانَ عَبْقَرِيًّا؛ لَقَدْ كَانَ بَارِعًا، وَكَانَ قَدْ كَتَبَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَعْنِي كُلَّ شَيْءٍ حَرْفِيًّا. وَثَالِثًا بَدَا أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ أَرِسْطُو يَقُولُهُ كَانَ مُتَعَارِضًا مَعَ الْمَسِيحِيَّةِ؛ وَمِنْ ثَمَّ يُمْكِنُ لِهَذَا بِطَرِيقَةٍ مَا أَنْ يَدْحَضَ الْمَسِيحِيَّةَ. ثُمَّ يُظْهِرَ تُومَا الَّذِي يَأْخُذُ هَذِهِ الْأُمُورَ مَأْخَذًا بَالِغَ الْجِدِّ وَيُحَافِظُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ عَلَى أُرْثُوذُكْسِيَّتِهِ، إِذْ يُحَافِظُ عَلَى الْتِزَامٍ قَوِيٍّ وَعَمِيقٍ بِالْمَسِيحِيَّةِ وَلَيْسَ مُجَرَّدَ الْتِزَامٍ فِكْرِيٍّ أَيْدِيُولُوچِيٍّ، بَلْ الْتِزَامٌ رُوحِيٌّ أَيْضًا. وَيَبْدَأُ فِي الْعَمَلِ عَلَى نِقَاطِ التَّلَاقِي بَيْنَ هَاتَيْنِ الِاثْنَتَيْنِ.

— جيمس ديو

دَعَا الْأَكْوِينِيُّ فِي الْجُزْءِ 1، السُّؤَالِ 1، الْبَنْدِ 7 مِنْ كِتَابِهِ الشَّهِيرِ الْخُلَاصَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ (سُومَا ثِيُولُوچيكَا) عِلْمَ اللَّاهُوتِ "عَقِيدَةً مُقَدَّسَةً"، وَعَرَّفَهُ بِأَنَّهُ:

عِلْمٌ [مُوَحَّدٌ] تُعَامَلُ [فِيهِ] كُلُّ الْأَشْيَاءِ مِنْ مَنظُورِ اللَّهِ: إِمَّا لكونها اللَّهُ نَفْسُهُ، أَوْ لِأَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى اللَّهِ.

هُنَاكَ بُعْدَانِ لِهَذَا اَلتَّعْرِيفِ يَسْتَحِقَّانِ اِهْتِمَامًا خَاصًّا. لَاحَظْ أَوَّلًا أَنَّ اَلْأَكْوِينِيَّ عَرَّفَ عِلْمَ اَللَّاهُوتِ بِأَنَّهُ "عِلْمٌ".

لَمْ يُشِرْ الْأَكْوِينِيُّ هُنَا إِلَى الْعِلْمِ بِالْمَعْنَى الْحَدِيثِ لِلْكَلِمَةِ. وَإِنَّمَا اسْتَخْدَمَ مُصْطَلَحَ "الْعِلْمُ" بِالْمَعْنَى الْأَقْدَمِ وَالْأَوْسَعِ لِلْكَلِمَةِ، أَيْ "سَعْيٌ فِكْرِيٌّ أَوْ أَكَادِيمِيٌّ". وَبِهَذَا الْمَعْنَى يُعَدُّ عِلْمُ اللَّاهُوتِ مُهِمَّةً أَكَادِيمِيَّةً ذَاتَ هَدَفٍ مُحَدَّدٍ نَوْعًا مَا. فَالطَّرِيقَةُ الَّتِي يُمَارِسُ بِهَا عُلَمَاءُ اللَّاهُوتِ عِلْمَ اللَّاهُوتِ بِاعْتِبَارِهِ تَخَصُّصًا أَكَادِيمِيًّا تُشَابِهُ إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ الطَّرِيقَةَ الَّتِي يَدْرُسُ بِهَا النَّاسُ عِلْمَ الْأَحْيَاءِ أَوْ عِلْمَ النَّفْسِ أَوْ الْأَدَبَ أَوْ الْقَانُونَ أَوْ التَّارِيخَ.

كَانَتْ مُهِمَّةُ عَالِمِ اللَّاهُوتِ فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِ الْأَكْوِينِيِّ هِيَ التَّفْكِيرُ أَوْ التَّحَدُّثُ أَوْ الْكِتَابَةُ عَنْ الْعَقَائِدِ أَوْ الْمَفَاهِيمِ. لَقَدْ آمَنَ الْأَكْوِينِيُّ بِالطَّبْعِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ آثَارٌ عَمَلِيَّةٌ عَلَى كُلِّ أَبْعَادِ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ عِلْمَ اللَّاهُوتِ نَفْسَهُ بِاعْتِبَارِهِ عِلْمًا، سَعْيًا فِكْرِيًّا.

بِالْإِضَافَةِ إِلَى كَوْنِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ عِلْمًا مُوَحَّدًا حَدَّدَ الْأَكْوِينِيُّ أَنَّ تَخَصُّصَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ يُرَكِّزُ عَلَى مَوْضُوعَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ. يُعَالِجُ عُلَمَاءُ اللَّاهُوتِ مِنْ جِهَةٍ قَضَايَا تَتَعَلَّقُ بِـ "اللَّهِ نَفْسِهِ".

عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، يَصُوغُ عُلَمَاءُ اللَّاهُوتِ مَا يُؤْمِنُونَ بِهِ بِشَأنِ الله، مِثْلِ صِفَاتِ اللَّهِ - عِلْمِهُ الْكُلِّيُّ، وُجُودُهُ الْكُلِّيُّ، قَدَاسَتُهُ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ- وَكَذَلِكَ خُطَّتُهُ وَأَعْمَالُهُ. وَغَالِبًا مَا نُطْلِقُ عَلَى هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ وَمَا شَابَهَهَا دِرَاسَةَ "اللَّاهُوتِ الْأَصِيلِ/ أو العَقِيدَة عن اللَّهِ". فَاللَّهُ نَفْسُهُ هُوَ الْمَوْضُوعُ الَّذِي نَدْرُسُهُ.

يَرَى الْأَكْوِينِيُّ أَنَّ تَخَصُّصَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى هُوَ أَيْضًا دِرَاسَةُ الْمَوْضُوعَاتِ الْأُخْرَى بِطُرُقٍ تُشِيرُ إِلَى اللَّهِ. غَالِبًا مَا نُنَاقَشُ هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتُ فِي التَّخَصُّصَاتِ الْأُخْرَى مِنْ الْعِلْمِ دُونَ الْإِشَارَةِ إِلَى اللَّهِ، وَلَكِنَّ عُلَمَاءَ اللَّاهُوتِ يَدْرُسُونَهَا بِالِارْتِبَاطِ بِاَللَّهِ. عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، يُعَدُّ الْإِسْخَاتُولُوچي، أَوْ دِرَاسَةُ الْأُخْرَوِيَّاتِ، مَوْضُوعًا مُهِمًّا فِي مَا يُمْكِنُ أَنْ نُطْلِقَ عَلَيْهِ "عِلْمَ اللَّاهُوتِ الْعَامَّ"، وَكَذَلِكَ التَّعَالِيمُ الْمَسِيحِيَّةُ عَنْ طَبِيعَةِ الْبَشَرِ، وطَبِيعَةِ الشَّرِّ وَالْخَطِّيَّةِ، وطَبِيعَةِ الْفِدَاءِ، وَالْمَوْضُوعَاتِ الْمُشَابِهَةِ تَنْدَرِجُ جَمِيعُهَا تَحْتَ اسْمِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ أَيْضًا مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ "لَاهُوتًا أَصِيلًا".

مَعَ وَضْعِ التَّعْرِيفِ النموذجيّ الَّذِي عُرِفَ بِهِ الْأَكْوِينِيُّ عِلْمُ اللَّاهُوتِ فِي الِاعْتِبَارِ، دَعُونَا نُفَكِّرُ فِي وِجْهَةِ نَظَرٍ مُمَاثِلَةٍ مِنْ عَالِمِ اللَّاهُوتِ الْبُرُوتِسْتَانْتِيِّ تِشَارْلِزْ هُودْچ، الَّذِي عَاشَ فِي الْفَتْرَةِ مِنْ عَامِ 1979م حَتَّى عَامِ 1878م.

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ اخْتِلَافِ عُلَمَاءِ اللَّاهُوتِ الْبُرُوتِسْتَانْت عَنْ نُظَرَائِهِمْ مِنْ اَلرُّومِ اَلْكَاثُولِيك مِنْ نَوَاحٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّهُمْ إِجْمَالًا لَمْ يُغَيِّرُوا بِشَكْلٍ كَبِيرٍ اَلتَّعْرِيفَ اَلْأَسَاسِيَّ لِعِلْمِ اَللَّاهُوتِ. لَقَدْ عَرَّفَ تِشَارْلِزْ هُودْچ مِنْ بِرِينْسِتُونْ عِلْمَ اللَّاهُوتِ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ عِلْمُ اللَّاهُوتِ النِّظَامِيُّ، الْفَصْلُ 2، الْقِسْمُ 1 بِأَنَّهُ:

عِلْمُ حَقَائِقِ الْإِعْلَانِ الْإِلَهِيِّ بِقَدْرِ مَا تَتَعَلَّقُ هَذِهِ الْحَقَائِقُ بِطَبِيعَةِ اللَّهِ وَبِعَلَاقَتِنَا بِهِ.

يُمْكِنُنَا هُنَا رُؤْيَةُ التَّشَابُهِ الشَّدِيدِ بَيْنَ تَعْرِيفِ هُودچ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ وَتَعْرِيفِ الْأَكْوِينِيِّ لَهُ، فَقَدْ وَصَفَ الِاثْنَانِ عِلْمَ اللَّاهُوتِ بِأَنَّهُ "عِلْمٌ". وَعَلَى غِرَارِ الْأَكْوِينِيِّ، اعْتَبَرَ هُودْچ عِلْمَ اللَّاهُوتِ فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ تَخَصُّصًا أَكَادِيمِيًّا. وَفِي الْوَاقِعِ قَدْ ذَهَبَ هُودچ حَتَّى إِلَى حَدِّ اسْتِخْدَامِ أَسَالِيبِ الْعُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ أَوْ الْفِيزْيَائِيَّةِ فِي عَصْرِهِ كَنَمُوذَجٍ عَلَى عُلَمَاءِ اللَّاهُوتِ اتِّبَاعُهُ. اسْتَمِعْ إِلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَارَنَ بِهَا هُودچ عِلْمَ اللَّاهُوتِ بِالْعُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي مُقَدِّمَةِ عِلْمُ اللَّاهُوتِ النِّظَامِيِّ، الْفَصْلُ 1 الْقِسْمُ 1:

لَيْسَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ نِظَامَ لَاهُوتٍ أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِ الطَّبِيعَةِ نِظَامَ كِيمْيَاءَ أَوْ مِيكَانِيكَا. فَنَحْنُ نَجِدُ فِي الطَّبِيعَةِ الْحَقَائِقَ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْكِيمْيَائِيِّ أَوْ الْفَيْلَسُوفِ الْمِيكَانِيكِيِّ أَنْ يَفْحَصَهَا ... لِلتَّأَكُّدِ مِنْ الْقَوَانِينِ الَّتِي تُحَدِّدُهَا. وَعَلَى نَفْسِ الْمِنْوَالِ يَحْتَوِي اَلْكِتَابُ اَلْمُقَدَّسُ عَلَى اَلْحَقَائِقِ اَلَّتِي يَجِبُ عَلَى اَللَّاهُوتِيِّ أَنْ يَجْمَعَهَا، وَيُثْبِتَ أَصَالَتَهَا، وَيُرَتِّبَهَا، وَيَعْرُضَهَا فِي إِطَارِ عَلَاقَتِهَا الدَّاخِلِيَّةِ بِبَعْضِهَا الْبَعْضِ.

تشارلز هُودج، اللاهوت النظامي

لَقَدْ كَانَ تِشَارْلِزْ هُودْچ رَجُلًا مِنْ اَلْقَرْنِ 19، وَفِي الْقَرْنِ 19 كَانَتْ كَلِمَةُ "عِلْمٌ" تُسْتَخْدَمُ عَلَى نِطَاقٍ أَوْسَعَ مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ. فَفِكْرَةُ أَنَّ اللَّاهُوتَ عِلْمٌ تَقَعُ عَلَى الْمَسَامِعِ الْحَدِيثَةِ مَوْقِعَ نَغْمَةِ نَشَازٍ لِأَنَّنَا نُفَكِّرُ فِي الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ الْعُلُومُ الصُّلْبَةُ. وَلَكِنْ فِي الْقَرْنِ 19 كَانَ الْعِلْمُ عِبَارَةً عَنْ مَجْمُوعَةٍ مُنَظَّمَةٍ وَمَنْهَجِيَّةٍ وَمُرَكَّزَةٍ مِنْ الْمَعَارِفِ مُتَمَرْكِزَةٍ حَوْلَ مَجَالٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَجَالَاتِ الْبَحْثِ. وَمِنْ ثَمَّ يَفْتَتِحُ هُودْچ لَاهُوتَهُ النِّظَامِيَّ بِالْإِشَارَةِ إِلَى الْعُلُومِ فِي عَصْرِهِ، مِثْلَ التَّارِيخِ وَعِلْمِ الْجُغْرَافِيَا، وَالَّتِي لَا نُفَكِّرُ فِيهَا نَحْنُ الْيَوْمَ بِاعْتِبَارِهَا عُلُومًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ فِي عَصْرِ هُودْچ عُلُومًا. وَفِي عَصْرِهِ أَيْضًا كَانَ الْعِلْمُ وَالْمَنْهَجُ الْعِلْمِيُّ قَدْ حَقَّقَا الْكَثِيرَ جِدًّا فِي الْقَرْنِ السَّابِقِ لِدَرَجَةِ أَنَّهُمَا كَانَا مَوْضِعَيْ تَقْدِيرٍ كَبِيرٍ كَطَرِيقَةٍ لِكَسْبِ الْمَعْرِفَةِ. وَلَكِنْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ أَرَادَ هُودْچ التَّشْدِيدَ عَلَى أَنَّ عِلْمَ اللَّاهُوتِ هُوَ تَنْظِيمُ الْحَقَائِقِ لَا تَكْوِيمُهَا فَحَسْبُ. لِذَا، تَمَامًا كَمَا هُوَ اَلْحَالُ فِي عِلْمِ الْفَلَكِ، لَا يَنْظُرُ عَالِمُ الْفَلَكِ فَقَطْ إِلَى الْأَجْرَامِ اَلسَّمَاوِيَّةِ وَيَضَعُ قَائِمَةً بِالْحَقَائِقِ عَنْهَا، بَلْ إِنَّهُ (أَوْ إِنَّهَا) يُحَاوِلُ تَنْظِيمَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ دَاخِلَ نِظَامٍ مُتَمَاسِكٍ وَمُتَرَابِطٍ مَنْطِقِيًّا، وَهَذَا هُوَ عِلْمُ الْفَلَكِ. كَذَلِكَ فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ، يَنْظُرُ عَالِمُ اللَّاهُوتِ فِي حَقَائِقِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَلَا يَقُومُ فَقَطْ بِسَرْدِهَا، بَلْ إِنَّهُ يَأْخُذُ حَقَائِقَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ هَذِهِ وَيُنَظِّمُهَا دَاخِلَ نِظَامٍ حَتَّى نَتَمَكَّنَ مِنْ تَقْدِيرِ تَرَابُطِ كُلِّ هَذِهِ الْحَقَائِقِ بِبَعْضِهَا الْبَعْضِ.

— د. لاري تروتر

فَبِالنِّسْبَةِ لِهُودٍچ كَانَتْ مُهِمَّةُ اللَّاهُوتِيِّ هِيَ مُقَارَبَةُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ بِطَرِيقَةٍ تَتَشَابَهُ إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ مَعَ مُقَارَبَةِ الْعَالِمِ للطَّبِيعَةِ. فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ حَقَائِقَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَيُحَلِّلَهَا وَيُنَظِّمَهَا. قَدْ آمَنَ هُودْچ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَنْبَغِي تَطْبِيقُ عِلْمِ اللَّاهُوتِ عَلَى الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ. وَلَكِنَّهُ كَالْأَكْوِينِيِّ لَمْ يَرَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ بُؤْرَةُ تَرْكِيزِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ الرَّسْمِيِّ. وَإِنَّمَا كَانَ يَمِيلُ إِلَى تَرْكِ التَّطْبِيقِ فِي أَيْدِي الْخُدَّامِ وَالْقُسُوسِ، قَاصِرًا الْعَمَلَ الْفِعْلِيَّ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ الرَّسْمِيِّ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ عَلَى الْأَكَادِيمِيِّينَ وَالْعُلَمَاءِ.

بِالْإِضَافَةِ إِلَى وَصْفِ هُودچ عِلْمِ اللَّاهُوتِ بِأَنَّهُ عِلْمٌ، ادَّعَى أَيْضًا أَنَّ هُنَاكَ مَوْضُوعَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ: أَوَّلًا- "طَبِيعَةُ اللَّهِ"، وَثَانِيًا- "عَلَاقَتُنَا بِه". وَيُشَابِهُ هَذَا التَّقْسِيمُ الثُّنَائِيُّ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ تَمْيِيزَ الْأَكْوِينِيِّ بَيْنَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ الْأَصِيلِ وَعِلْمِ اللَّاهُوتِ الْعَامِّ.

بَعْدَ أَنْ رَأَيْنَا التَّعْرِيفَاتِ النموذجيّة لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ عِنْدَ تُومَا الْأَكْوِينِيِّ وَتِشَارْلِزْ هُودچ سَيَكُونُ مِنْ الْمُفِيدِ أَنْ نَبْحَثَ وُجْهَةَ نَظَرٍ ثَالِثَةً. وَصَفَ وِيلْيَامْ إِيمِس، الْپيُورِيتَانِيُّ التَّطَهُّرِيُّ الْمُؤَثِّرُ الَّذِي عَاشَ فِي الْفَتْرَةِ مِنْ عَامِ 1576م حَتَّى عَامِ 1633م، مُهِمَّةَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى نَحْوٍ لَافِتٍ لِلنَّظَرِ.

كَتَبَ إِيمِس فِي افْتِتَاحِيَّةِ كِتَابِهِ لُبُّ اللَّاهُوتِ أَنَّ اللَّاهُوتَ يَنْبَغِي أَنْ يُرَكِّزَ عَلَى:

عَقِيدَةِ أَوْ تَعْلِيمِ كيفيّة الْحَيَاةِ لِلَّهِ.

يَتَّضِحُ مِنْ كِتَابَاتِ إِيمِس أَنَّ آرَاءَهُ عَكَسَتْ وُجُهَاتِ نَظَرٍ تَقْلِيدِيَّةً عَنْ اللَّاهُوتِ. وَعَلَى حَدِّ تَعْبِيرِهِ هُنَا، فَإِنَّ اللَّاهُوتَ هُوَ "عَقِيدَةُ أَوْ تَعْلِيمُ"، السَّعْيِ الْفِكْرِيِّ وَرَاءَ الْأَفْكَارِ. غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ الْمُهِمِّ مُلَاحَظَةُ أَنَّ إِيمِس لَمْ يُشِرْ إِلَى اللَّاهُوتِ بِاعْتِبَارِهِ "عِلْمًا". وَإِنَّمَا قَلَّلَ مِنْ أَهَمِّيَّةِ الِارْتِبَاطِ الْوَثِيقِ بَيْنَ اللَّاهُوتِ وَالتَّخَصُّصَاتِ الْأَكَادِيمِيَّةِ الْأُخْرَى، وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي تَقْتَرِحُهُ لُغَةُ الْأَكْوِينِيِّ وَهُودچ. وَلَكِنْ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ حَدَّدَ إِيمِس لُبَّ اللَّاهُوتِ - بُؤْرَةُ التَّرْكِيزِ الْأَهَمِّ فِي اللَّاهُوتِ - عَلَى أَنَّهُ "الْحَيَاةُ لِلَّهِ".

رَكَّزَ الْأَكْوِينِيُّ، وَإِلَى حَدٍّ مَا هَودچ، عَلَى عِلْمِ اللَّاهُوتِ بِاعْتِبَارِهِ مَجْمُوعَةً مِنْ الْحَقَائِقِ وَالْأَفْكَارِ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِإِيمِس، فَقَدْ تَضَمَّنَ الْهَدَفُ مِنْ كُلِّ الْمَسَاعِي اللَّاهُوتِيَّةِ كَيْفِيَّةَ الْحَيَاةِ فِي خِدْمَةِ اللَّهِ. وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَقْصُرَ إِيمِس اَللَّاهُوتَ فِي اَلْمَقَامِ الْأَوَّلِ عَلَى السَّعْيِ الْفِكْرِيِّ وَرَاءَ الْحَقَائِقِ، شَمِلَتْ نَظْرَةُ إِيمِس تَوَجُّهًا عَمَلِيًّا حَيَاتِيًّا -أَوْ مَا دَعَاهُ الْپيُورِيتَانِيُّونَ "تَوَجُّهًا اخْتِبَارِيًّا"- نَحْوَ اللَّاهُوتِ. فَإِنَّ الْبُعْدَ الْأَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً لِلَّاهُوتِ فِي وُجْهَةِ نَظَرِ إِيمِس هُوَ التَّرْكِيزُ عَلَى النِّطَاقِ الْكَامِلِ لِحَيَاةِ الْمُؤْمِنِ أَمَامَ اللَّهِ.

مَعَ وَضْعِ آرَاءِ كُلٍّ مِنْ الْأَكْوِينِيِّ وَهُودچ وَإِيمِس فِي الِاعْتِبَارِ، دَعُونَا نُفَكِّرُ فِي تَعْرِيفٍ نموذجيّ رَابِعٍ قَدَّمَهُ اللَّاهُوتِيُّ الْمُعَاصِرُ چوِن فرِيم.

عَرَّفَ فرِيم فِي الْفَصْلِ 3 مِنْ كِتَابِهِ عَقِيدَةُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ عِلم اللَّاهُوتَ بِأَنَّهُ:

تَطْبِيقُ الْأَشْخَاصِ لِكَلِمَةِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مَنَاحِي الْحَيَاةِ.

لَقَدْ أَكَّدَ فرِيم فِي مَكَانٍ آخَرَ أَنَّ اللَّاهُوتَ يَتَضَمَّنُ السَّعْيَ الْفِكْرِيَّ وَرَاءَ التَّعْلِيمِ أَوْ الْعَقِيدَةِ الْمَسِيحِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ يُشَدِّدُ هُنَا عَلَى أَنَّ اللَّاهُوتَ هُوَ "تَطْبِيقُ" كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَى "كُلِّ مَنَاحِي الْحَيَاةِ".

لَيْسَ اللَّاهُوتُ بِالنِّسْبَةِ لِفرِيم مُجَرَّدَ التَّفْكِيرِ فِي مَجْمُوعَةٍ مِنْ الْقَضَايَا التَّقْلِيدِيَّةِ وَالْأَكَادِيمِيَّةِ نِسْبِيًّا. وَإِنَّمَا يَرَى فرِيم اللَّاهُوتَ، مِثْلَ إِيمِس، بِاعْتِبَارِهِ تَطْبِيقًا. إِذْ يُمَثِّلُ تَطْبِيقُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ عَلَى الْحَيَاةِ مَرْكَزَ كُلِّ الْعَمَلِ اللَّاهُوتِيِّ الْمَسِيحِيِّ.

يُمْكِنُ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ حَقًّا أَنْ يَسِيرَ فِي اتِّجَاهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. حَيْثُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسِيرَ فِي طَرِيقِ السَّعْيِ الْأَكَادِيمِيِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَمْرًا مَشْرُوعًا وَمُهِمًّا. وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَسِيرَ أَيْضًا فِي اتِّجَاهِ التَّطْبِيقِ اَلْحَيَاتِيِّ. وَمِمَّا يُثِيرُ الِاهْتِمَامَ هُوَ مَيْلُ النَّاسِ إِلَى الِاخْتِيَارِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ اَلِاتِّجَاهَيْنِ وَإِلَى وَضْعِهِمَا فِي مُوَاجَهَةِ بَعْضِهِمَا الْبَعْضِ. مِنْ الْمُبَرَّرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ تَشْدِيدٌ دَاخِلَ الْكَنِيسَةِ عَلَى التَّطْبِيقِ الْحَيَاتِيِّ. فَنَحْنُ لَا نُرِيدُ دَاخِلَ الْكَنِيسَةِ أَنْ نَعْرِفَ مَعْلُومَاتٍ فَقَطْ، بَلْ نُرِيدُ أَنْ نَعْرِفَ أَيْضًا كَيْفَ تُطَبَّقُ هَذِهِ الْمَعْلُومَاتُ عَلَى حَيَاتِنَا. وَهَذَا جَيِّدٌ وَمَشْرُوعٌ وَهُوَ فِي النِّهَايَةِ الْغَايَةُ الصَّحِيحَةُ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ؛ أَيْ كَيْفَ نَسْتَمْتِعُ بِاَللَّهِ، وَكَيْفَ نَعْبُدُهُ، وَكَيْفَ نُطِيعُهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ. وَلَكِنْ عِنْدَمَا نُشَدِّدُ عَلَى ذَلِكَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ: "لِمَاذَا إِذًا قَدْ يَكُونُ لِعِلْمِ اَللَّاهُوتِ اَلْأَكَادِيمِيِّ أَيُّ أَهَمِّيَّةٍ بِالنِّسْبَةِ لَنَا؟" إِلَّا أَنَّهُ فِعْلِيًّا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ الْأَكَادِيمِيِّ أَهَمِّيَّةٌ، لِأَنَّ بِإِمْكَانِهِ مُسَاعَدَتُنَا فِي الْبَقَاءِ أُمَنَاءَ. فِي الْوَاقِعِ، يُمْكِنُنَا أَنْ نَأْخُذَ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ وَنُحَاوِلَ تَطْبِيقَهُ عَلَى حَيَاتِنَا وَنَقُولَ: "هَذَا هُوَ عِلْمُ اللَّاهُوتِ، وَإِلَيْكَ كَيْفِيَّةُ تَطْبِيقِهِ عَلَى حَيَاتِكَ". وَلَكِنْ مَاذَا لَوْ أَخْطَأْنَا فِي فَهْمِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ؟ مَاذَا لَوْ كُنَّا نَقُولُ أَشْيَاءَ هِيَ بِبَسَاطَةٍ غَيْرُ صَحِيحَةٍ تَارِيخِيًّا وَكِتَابِيًّا وَلُغَوِيًّا؟ لِذَا فَإِنَّ عِلْمَ اللَّاهُوتِ الْأَكَادِيمِيَّ هُوَ طَرِيقَةٌ أَنِيقَةٌ لِنَقُولَ فَقَطْ إِنَّهُ تَخَصُّصٌ شَرْعِيٌّ لِمُمَارَسَةِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ. وَهُنَاكَ طَرِيقَةٌ أُخْرَى -نَتَحَدَّثُ عَنْهَا أَحْيَانًا كَلَاهُوتِيِّينَ- تَقُولُ إِنَّ اللَّاهُوتَ الْجَيِّدَ هُوَ لَاهُوتٌ عَلَنِيٌّ، عُرْضَةٌ لِلنَّقْدِ وَلِرُدُودِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّنَا نُرِيدُ أَنْ نَتَأَكَّدَ مِنْ أَنَّنَا لَا نَعْبُدُ صَنَمًا بَلْ اللَّهَ الْحَيَّ. بِحَيْثُ يُمْكِنُ لِذَلِكَ اللَّاهُوت الْجَيِّد أَنْ يُشَكِّلَ حَيَاتَنَا. يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ إِذًا مُتَعَلِّقًا بِالتَّطْبِيقِ، وَلَكِنْ يَلِيقُ بِنَا أَيْضًا أَنْ نَتَحَلَّى بِالدِّقَّةِ الشَّدِيدَةِ وَالْحَذَرِ فِي تَأَمُّلَاتِنَا.

— د. كِلي كابيك

تَتَشَابِهُ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتُ النموذجيّةُ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ كَمَا رَأَيْنَا لِلتَّوِّ فِي بَعْضِ الْأَوْجُهِ، وَلَكِنَّهَا أَيْضًا تَعْكِسُ تَرْكِيزَيْنِ أَوْ نَزْعَتَيْنِ مُتَمَايِزَتيْنِ فِي حَقْلِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ اَلرَّسْمِيِّ.

لِتَفْصِيلِ هَاتَيْنِ النَّزْعَتَيْنِ سَوْفَ نَبْحَثُ أَوَّلًا مَا يُمْكِنُ أَنْ نَدْعُوَهُ التَّوَجُّهَ الْأَكَادِيمِيَّ فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ، ثُمَّ نَفْحَصُ بَعْدَهَا التَّوَجُّهَ الْحَيَاتِيَّ الَّذِي اتَّخَذَهُ بَعْضُ اللَّاهُوتِيِّينَ إِزَاءَ تَخَصُّصِهِمْ. لِنَبْدَأَ بِـ التَّوَجُّهِ الْأَكَادِيمِيِّ.

يُمَثِّلُ الْأَكْوِينِيُّ وَهُودچ مِنْ جِهَةٍ تَوَجُّهًا أَكَادِيمِيًّا فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ، وَتَعْكِسُ وُجُهَاتِ نَظَرِهِمْ غَالِبِيَّةَ آرَاءِ اللَّاهُوتِيِّينَ الْمَسِيحِيِّينَ. بِبَسَاطَةٍ، يُعَرِّفُ هَذَانِ اللَّاهُوتِيَّانِ عِلْمَ اللَّاهُوتِ بِطُرُقٍ تَتَجَاوَبُ مَعَ أَصْلِ الْكَلِمَةِ نَفْسِهَا أَوْ خَلْفِيَّتِهَا اللُّغَوِيَّةِ، إِذْ تُشْتَقُّ كَلِمَةُ "لَاهُوتٌ" مِنْ كَلِمَتَيْنِ يُونَانِيَّتَيْنِ: ثِيُوسْ "θεός" اَلَّتِي تَعْنِي "اَللَّهُ"، ولُوجُوسْ "λόγος" الَّتِي تَعْنِي "عَقِيدَةٌ أَوْ دِرَاسَةٌ". لِذَا يُشِيرُ أَصْلُ الْكَلِمَةِ إِلَى أَنَّ عِلْمَ اللَّاهُوتِ هُوَ "عَقِيدَةُ أَوْ دِرَاسَةُ اللَّهِ". يُمَيِّزُ هَذَا الْفَهْمُ الْأَكَادِيمِيُّ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ الْغَالِبِيَّةَ الْعُظْمَى مِنْ الْأَعْمَالِ اللَّاهُوتِيَّةِ الرَّسْمِيَّةِ، سَوَاءٌ فِي اَلْمَاضِي أَوْ الْيَوْمِ.

بِالطَّبْعِ يَكَادُ لَا يُوجَدُ لَاهُوتِيٌّ مَسِيحِيٌّ مُخْلِصٌ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ إِنَّ مُجَرَّدَ الدِّرَاسَةِ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ الْمَوْضُوعَاتِ الْأُخْرَى الْمُرْتَبِطَةِ بِاللَّهِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ غَايَةً فِي حَدِّ ذَاتِهَا. حَيْثُ يُؤَكِّدُ الْمَسِيحِيُّونَ الْأُمَنَاءُ أَنَّ عِلْمَ اللَّاهُوتِ مِنْ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يُطَبَّقَ عَلَى حَيَاتِهِمْ بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى. غَيْرَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ النَّظْرَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ السَّائِدَةِ لَا يُعْتَبَرُ تَطْبِيقُ عِلْمِ اللَّاهُوتِ عَلَى حَيَاةِ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمِيَّةِ مَسْأَلَةً أَسَاسِيَّةً، بَلْ مَشْرُوعًا ثَانَوِيًّا -يُطْلَقُ عَلَيْهِ غَالِبًا "اَللَّاهُوتُ اَلْعَمَلِيُّ"- نَقُومُ بِهِ بَعْدَ أَنْ نَكُونَ قَدْ سَوَّيْنَا الْقَضَايَا الْعِلْمِيَّةَ الْأَكَادِيمِيَّةَ فِي اللَّاهُوتِ الرَّسْمِيِّ. وَمِنْ ثَمَّ يُمَارَسُ اللَّاهُوتُ الرَّسْمِيُّ دُونَ اهْتِمَامٍ يُذَكَرُ بِالْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ الْعَادِيَّةِ. وَيَظَلُّ هَذَا اللَّاهُوتُ الرَّسْمِيُّ مَجَالًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْخَرِطَ فِيهِ بِأَيِّ دَرَجَةٍ مَلْمُوسَةٍ سِوَى الْقَلِيلِ مِنْ الْأَشْخَاصِ الْمَوْهُوبِينَ أَكَادِيمِيًّا، وَيَتَطَلّب نَوْعٌ مِنْ ثَقَافَةِ الْخِبْرَةِ الْفِكْرِيَّةِ فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ.

يُقَارِبُ بَعْضُ اللَّاهُوتِيِّينَ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى عِلْمَ اللَّاهُوتِ بِـ تَوَجُّهٍ حَيَاتِيٍّ بَدَلًا مِنْ النَّزْعَةِ إِلَى التَّوَجُّهِ الْأَكَادِيمِيِّ فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ.

يُمَثِّلُ إِيمِس وَفرِيم هَذِهِ اَلنَّظْرَةَ اَلْمُهِمَّةَ اَلَّتِي يُؤْمِنُ بِهَا أَقَلِّيَّةٌ مِنْ اَللَّاهُوتِيِّينَ، وَاَلَّتِي فِيهَا لَا يُعَدُّ تَطْبِيقُ عِلْمِ اللَّاهُوتِ عَلَى الْجَوَانِبِ الْعَمَلِيَّةِ فِي الْحَيَاةِ مُهِمَّةً ثَانَوِيَّةً، بَلْ جَوْهَرُ التَّفْكِيرِ اللَّاهُوتِيِّ دَاخِلَ الْإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ.

كَانَ هُنَاكَ بِالطَّبْعِ لَاهُوتِيُّونَ عَلَى مَرِّ الْقُرُونِ رَأَوْا عِلْمَ اللَّاهُوتِ مُرْتَبِطًا ارْتِبَاطًا لَا يَعْرِفُ انْفِصَامًا بِالنِّطَاقِ الْأَوْسَعِ لِلْحَيَاةِ كَمُؤْمِنٍ.

لَكِنْ فِي الْمَاضِي تَمَسَّكَ عَدَدٌ قَلِيلٌ نِسْبِيًّا مِنْ اللَّاهُوتِيِّينَ الْبَارِزِينَ بِهَذِهِ النَّظْرَةِ. بَيْنَمَا بَدَأَ عَدَدٌ مُتَزَايِدٌ مِنْ اللَّاهُوتِيِّينَ الْمَسِيحِيِّينَ فِي الْعُقُودِ الْأَخِيرَةِ فِي رَفْضِ الْمَفْهُومِ الْقَائِلِ بِأَنَّ عِلْمَ اللَّاهُوتِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَشْغُولًا فَقَطْ بِالْمَسَائِلِ الْفِكْرِيَّةِ. لَقَدْ جَادَلُوا ضِدَّ اللَّاهُوتِ الرَّسْمِيِّ بِاعْتِبَارِهِ فَقَطْ أَسَاسًا أَكَادِيمِيًّا أَوْ مَفَاهِيمِيًّا لِلْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ، وَإِنَّمَا رَأَوْهُ بِالْأَحْرَى تَخَصُّصًا مَشْغُولًا عَلَى نَحْوٍ عَمِيقٍ وَجَوْهَرِيٍّ بِالْحَيَاةِ لِأَجْلِ الْمَسِيحِ.

عِنْدَمَا تَأَمَّلَ عُلَمَاءُ اللَّاهُوتِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ بِعِنَايَةٍ أَصْبَحُوا يُدْرِكُونَ بِشَكْلٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا أَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ وَالتَّكْرِيسَ لَهُ وَخِدْمَتَهُ تَتَضَمَّنُ كُلَّ جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ حَيَاتِنَا، وَلَيْسَ فَقَطْ كَيْفَ نُفَكِّرُ فِي الْأُمُورِ. وَقَدْ أَصْبَحَ هَذَا التَّعْلِيمُ الْكِتَابِيُّ ذَا أَهَمِّيَّةٍ مُتَزَايِدَةٍ فِي الْعُقُودِ الْأَخِيرَةِ، إِذْ بَدَأَ الْعُلَمَاءُ فِي كُلِّ مَجَالٍ تَقْرِيبًا مِنْ مَجَالَاتِ الدِّرَاسَةِ فِي الِاعْتِرَافِ بِمَدَى تَأْثِيرِ خِبْرَاتِ الْحَيَاةِ عَلَى مَجَالَاتِهِمْ الْأَكَادِيمِيَّةِ. وَحَتَّى أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مَوْهِبَةً فِي الْعَالَمِ، لَا يُمْكِنُهُمْ الْهُرُوبُ مِنْ تَأْثِيرِ ثَقَافَاتِهِمْ وَخِبْرَاتِهِمْ الْحَيَاتِيَّةِ. وَيَنْطَبِقُ الشَّيْءُ نَفْسُهُ عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِاللَّاهُوتِ الرَّسْمِيِّ. فَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يَتِمُّ تَذْكِيرُنَا دَائِمًا بِكَوْنِ الْمُفَكِّرُونَ بَشَرًا وَبِكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِحَيَاتِهِمْ الشَّخْصِيَّةِ تَأْثِيرٌ عَمِيقٌ عَلَى مَسَاعِيهِمْ الْأَكَادِيمِيَّةِ.

فَعَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، يُنْظَرُ اَلْآنَ إِلَى الْعُلَمَاءِ وَالْعَامِلِينَ فِي اَلْمَجَالِ الطِّبِّيِّ، وَالَّذِينَ كَانَ يُعْتَقَدُ فِي السَّابِقِ بِمَوْضُوعِيَّتِهِمْ الْبَحْثيَّةِ، بِاعْتِبَارِهِمْ أُنَاسًا عَادِيِّينَ. وَكَثِيرًا مَا نَشُكُّ فِي آرَائِهِمْ بِطُرُقٍ لَمْ نَكُنْ لِنَتَخَيَّلَهَا مُنْذُ بِضْعَةِ عُقُودٍ فَقَطْ. وَبِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ تَقْرِيبًا تُدْرِكُ الْكَنِيسَةُ الْآنَ بِشَكْلٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا أَنَّهُ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ مَدَى بَرَاعَةِ عُلَمَاءِ اللَّاهُوتِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ مُجَرَّدَ بَشَرٍ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُمْ قَدْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مُرَاقِبُونَ مَوْضُوعِيُّونَ لِلْحَقَائِقِ فَإِنَّ وُجُهَاتِ نَظَرِهِمْ تَتَأَثَّرُ بِعُمْقٍ بِخِبْرَاتِهِمْ الْحَيَاتِيَّةِ. وَنَتِيجَةً لِذَلِكَ فَإِنَّ الْمُقَارَبَاتِ الْأَكَادِيمِيَّةَ الْبَحْتَةَ الَّتِي يُقَارِبُ بِهَا عِلْمُ اللَّاهُوتِ لَا تَحْظَى بِتَقْدِيرٍ كَبِيرٍ الْيَوْمَ، وَالْحَاجَةُ إِلَى التَّطْبِيقِ تَرَى بِشَكْلٍ وَاضِحٍ أَكْثَرَ جِدًّا مِنْ ذِي قَبْلُ.

لَقَدْ تَطَرَّقْنَا حَتَّى الْآنَ إِلَى أَرْبَعَةِ تَعْرِيفَاتٍ نموذجيّةٍ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ ونَزْعَتَيْنِ مُهِمَّتَيْنِ تُمَثِّلُهُمَا لتلك التَّعْرِيفَاتُ، وَالْآنَ يَنْبَغِي أَنْ نَتَوَقَّفَ قَلِيلًا وَنُقَدِّمَ بَعْضَ التَّقْيِيمَاتِ لِهَاتَيْنِ النَّزْعَتَيْنِ.

لَقَدْ سَمِعَ الْكَثِيرُ مِنَّا الْقَوْلَ الْمَأْثُورَ: "يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَعْظَمَ نِقَاطِ قُوَّتِنَا هِيَ أَيْضًا أَكْبَرَ نِقَاطِ ضَعْفِنَا". وَنَعْلَمُ جَمِيعًا مَا مَعْنَى هَذَا. إِذْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُعْتَقَدَاتُنَا وَمَوَاقِفُنَا وَأَفْعَالُنَا ذَاتَ قِيمَةٍ عَظِيمَةٍ بِالنِّسْبَةِ لَنَا، وَلَكِنْ إِذَا لَمْ نَأْخُذْ حَذَرَنَا فَبِإِمْكَانِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَيْضًا أَنْ تُؤْذِيَنَا. مِنْ نَوَاحٍ كَثِيرَةٍ يُقَدِّمُ كِلَا التَّوَجُّهَيْنِ، الْأَكَادِيمِيِّ وَالْحَيَاتِيِّ، فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ الْكَثِيرَ مِنْ الْفَوَائِدِ، وَلَكِنَّهُمَا يَنْطَوِيَانِ أَيْضًا عَلَى احْتِمَالِيَّةِ الضَّرَرِ. وَلِهَذَا السَّبَبِ يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ بِضْعَ لَحَظَاتٍ لِنُقَيِّمَ هَذَيْنِ التَّوَجُّهَيْنِ اللَّاهُوتِيَّيْنِ.

فِي أَثْنَاءِ قِيَامِنَا بِـتَقْيِيمنا سَنَنْظُرُ فِي مَزَايَا وَعُيُوبِ كُلٍّ مِنْ التَّوَجُّهِ الْأَكَادِيمِيِّ وَالتَّوَجُّهِ الْحَيَاتِيِّ فِي التَّخَصُّصِ الرَّسْمِيِّ الْمُتَعَلِّقِ بِعِلْمِ اللَّاهُوتِ. لِنَبْدَأْ بِـالتَّوَجُّهِ الْأَكَادِيمِيِّ.

رُبَّمَا تَكُونُ الْمَزِيَّةُ أَوْ نُقْطَةُ الْقُوَّةِ الْأَعْظَمِ فِي الْمُقَارَبَاتِ الْأَكَادِيمِيَّةِ الَّتِي يُقَارَبُ بِهَا عِلْمُ اللَّاهُوتِ هِيَ أَنَّ هَذِهِ الْمُقَارَبَاتِ تُرَكِّزُ عَلَى إِحْدَى أَعْجَبِ عَطَايَا اللَّهِ لِلْبَشَرِيَّةِ: قُدُرَاتُنَا الْعَقْلِيَّةُ. لَقَدْ مَنَحَ اللَّهُ للْبَشَر قُدُرَاتٍ فِكْرِيَّةً وَهُوَ يَتَوَقَّعُ مِنْ اللَّاهُوتِيِّينَ أَنْ يُمَارِسُوا هَذِهِ الْقُدُرَاتِ فِي سَعْيِهِمْ وَرَاءَ الْحَقَائِقِ اللَّاهُوتِيَّةِ.

نَجِدُ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الْحُكَمَاءَ يُكَرَّمُونَ لِاسْتِخْدَامِهِمْ قُدُرَاتِهِمْ الْفِكْرِيَّةِ فِي خِدْمَةِ اللَّهِ. يُوَضِّحُ لَنَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ أَنَّ مَعْنَى أَنْ تَكُونَ حَكِيمًا هُوَ أَنْ تَتَفَكَّرَ فِي مَا هُوَ حَقٌّ وَأَنْ تَصُوغَ مَجْمُوعَاتٍ مِنْ الْمُعْتَقَدَاتِ الْمُتَمَاسِكَةِ وَالْمُتَرَابِطَةِ مَنْطِقِيًّا مِنْ تِلْكَ الِاسْتِفْسَارَاتِ الْعَقْلَانِيَّةِ. فَعَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، اُعْتُبِرَ سُلَيْمَانُ حَكِيمًا لِأَنَّهُ مَارَسَ قُدْرَتَهُ عَلَى التَّمَعُّنِ فِي الْأُمُورِ. اسْتَمِعْ إِلَى الْمَدْحِ الْكَبِيرِ الَّذِي يُعْطَى لِسُلَيْمَانَ فِي 1 الْمُلُوكِ 4: 29-31:

وَأَعْطَى اللَّهُ سُلَيْمَانَ حِكْمَةً وَفَهْمًا كَثِيرًا جِدًّا، وَرَحْبَةَ قَلْبٍ كَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ... وَكَانَ أَحْكَمَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ... وَكَانَ صِيتُهُ فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ حَوَالَيْهِ (1 الملوك 4: 29: 31).

وَبِالْمِثْلِ، تُطَالِبُ كُتُبُ الْحِكْمَةِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الْمُؤْمِنِينَ الْأُمَنَاءَ مِرَارًا وَتَكْرَارًا بِتَطْوِيرِ قُدُرَاتِهِمْ الْعَقْلِيَّةِ وَاسْتِخْدَامِهَا.

قَدْ أَعْلَنَ اللَّهُ لَنَا نَفْسَهُ عَلَى نَحْوٍ عَامٍّ وَمُنْعِمٍ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا؛ لِذَلِكَ يُمْكِنُنَا فِعْلِيًّا أَنْ نَفْهَمَ اللَّهَ وَمَنْ هُوَ وَمَاذَا يُرِيدُ مِنَّا رُبَّمَا مِنْ خِلَالِ مَا يَعِظُنَا النَّاسُ بِهِ وَكَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ؛ فَهَذَا إِذًا مَوْجُودٌ... وَلَكِنْ لَا يَعْنِي هَذَا أَنَّنَا لَسْنَا بِحَاجَةٍ إِلَى اسْتِخْدَامِ قُدُرَاتِنَا الْفِكْرِيَّةِ لِفَهْمِ الْإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ. فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى بُولُسَ عِنْدَمَا قَابَلَ الْفَلَاسِفَةَ فِي سِفْرِ الْأَعْمَالِ، الْإِصْحَاحِ 17، تَجِدُهُ قَدْ اسْتَخْدَمَ بِالْفِعْلِ قُدُرَاتِهِ الْفِكْرِيَّةَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ إِقْنَاعِهِمْ بِمَا يُؤْمِنُ بِهِ. وَمِنْ خِلَالِ ذَلِكَ تَمَكَّنَ مِنْ رِبْحِ بَعْضِ النَّاسِ لِلرَّبِّ. وَأَعْتَقِدُ أَنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ نَسْتَخْدِمَ فِعْلِيًّا قُدُرَاتِنَا الْفِكْرِيَّةَ لِفَهْمِ الْإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ، وَذَلِكَ لِسَبَبَيْنِ: أَوَّلًا- لِنَتَمَكَّنَ مِنْ فَهْمِ اللَّهِ وَمَا أَعْلَنَهُ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى تَكُونَ لَنَا عَلَاقَةٌ ذَاتُ مَعْنًى مَعَهُ؛ ثَانِيًا- حَتَّى عِنْدَمَا يَسْأَلُنَا أَيُّ شَخْصٍ عَنْ إِيمَانِنَا نَكُونُ فِي وَضْعٍ جَيِّدٍ، سَوَاءٌ كَانَ السَّائِلُ فَيْلَسُوفًا أَوْ أَيُّ شَخْصٍ كَانَ، نَكُونُ فِي وَضْعٍ جَيِّدٍ لِنَشْرَحَ إِيمَانَنَا الْمَسِيحِيَّ لِهَذَا الشَّخْصِ مِثْلَمَا فَعَلَ بُولُسُ. لِذَلِكَ أَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ الْمُهِمِّ جِدًّا جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لَنَا أَنْ نَسْتَخْدِمَ قُدُرَاتِنَا الْفِكْرِيَّةَ، أَوْ الْعَطِيَّةَ الَّتِي أَعْطَانَا اللَّهُ إِيَّاهَا كَيْ نُفَكِّرَ، لِنَتَمَكَّنَ مِنْ فَهْمِ إِيمَانِنَا الْمَسِيحِيِّ.

— د. ق. همفري أكوجيرام

تَعَلُّم اللاهوت بصورة رسمية ونظامية مهم جدًا لكي تنمو الكنيسة وينمو المؤمنين من خلال معرفتهم للكتاب المقدس والعقائد المسيحية. عادةً، لا تُغطي الكنيسة هذهِ الموضوعات. نحن بحاجة إلى تدريب أشخاص يُقدّرون ويعرفون كلمة الله ليُعّلِموا كلمة الله، حتى ينشأ جيل يستطيع أن يحمل هذهِ الرسالة بهذا العُمق في معرفة كلمة الله للآخرين، في تدريبه، وتبشيره، وفي علاقته بالكنيسة، وخاصةً علاقة الكنيسة مع المجتمع.

— ق. عازر عجاج

اِعْتَرَفَ بُطْرُسُ بِأَهَمِّيَّةِ التَّعْقِيدِ الْفِكْرِيِّ فِي 2 بطرس 3: 15-16 عِنْدَمَا عَلَّقَ عَلَى لَاهُوتِ الرَّسُولِ بُولُسَ، حَيْثُ ذَكَرَ:

كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ... الَّتِي فِيهَا [أيْ فِي رَسَائِلِهِ] أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ (2 بطرس 3: 15-16).

لَا يَتَعَارَضُ التَّرْكِيزُ الْفِكْرِيُّ أَوْ الْأَكَادِيمِيُّ فِي اللَّاهُوتِ التَّقْلِيدِيِّ كَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرَى مَعَ الْمَفْهُومِ الْكِتَابِيِّ عَنْ اللَّاهُوتِ الْجَيِّدِ. بَلْ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّ التَّفْكِيرَ شَدِيدَ التَّدْقِيقِ هُوَ نُقْطَةُ قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ فِي اللَّاهُوتِ التَّقْلِيدِيِّ.

غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قِيمَةِ التَّوَجُّهَاتِ الْأَكَادِيمِيَّةِ نَحْوَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ، يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ مُتَيَقِّظِينَ دَائِمًا لِلْأَخْطَارِ الَّتِي تُشَكِّلُهَا هَذِهِ التَّوَجُّهَاتُ. فَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْيَانِ، مَعَ الْأَسَفِ يَجْمَعُ اللَّاهُوتِيُّونَ الْحَقَائِقَ عَنْ اللَّهِ وَيُحَلِّلُونَهَا وَيُرَتِّبُونَهَا بِمَهَارَةٍ مَلْحُوظَةٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَفْشَلُونَ فِي إِيلَاءِ الْحَيَاةِ فِي خِدْمَةِ اَللَّهِ نَفْسَ هَذَا اَلِاهْتِمَامِ الدَّقِيقِ. إِذْ غَالِبًا مَا يُصْبِحُ اَلتَّحْلِيلُ اَللَّاهُوتِيُّ اَلْعَقْلَانِيُّ اَلْمُعَقَّدُ غَايَةً فِي حَدِّ ذَاتِهِ. نَحْنُ عَادَةً مَا نَعْتَبِرُ الْأَشْخَاصَ "لَاهُوتِيِّينَ جَيِّدِينَ" لِمُجَرَّدِ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ الْكَثِيرَ عَنْ الْمَوْضُوعَاتِ اللَّاهُوتِيَّةِ. وَلَكِنْ عَلَيْنَا فِي بَعْضِ اَلْأَحْيَانِ أَنْ نَعْتَرِفَ بِأَنَّ اَللَّاهُوتِيِّينَ اَلْجَيِّدِينَ لَيْسُوا دَائِمًا أُنَاسًا صَالِحِينَ.

وَلَكِنْ كَيْفَ نَصِلُ إِلَى النُّقْطَةِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ مَا لَاهُوتِيًّا جَيِّدًا، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ شَخْصًا صَالِحًا؟ يَحْدُثُ ذَلِكَ عِنْدَمَا نُعَرِّفُ عِلْمَ اللَّاهُوتِ تَعْرِيفًا يَشْمَلُ على الْأَنْشِطَةَ الْأَكَادِيمِيَّةَ فَقط، عِنْدَمَا نَعْتَقِدُ أَنَّ مُمَارَسَةَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ تَعْنِي الدِّرَاسَةَ الْجَيِّدَةَ وَالْكِتَابَةَ الْجَيِّدَةَ وَتَعْلِيمَ الْأَفْكَارِ الصَّحِيحَةِ.

مِنْ الْمُمْكِنِ جِدًّا أَنْ تَكُونَ لَاهُوتِيًّا جَيِّدًا، وَلَا تَكُونُ شَخْصًا صَالِحًا. فَفِي الْوَاقِعِ، يَحْدُثُ هذا كثيرًا أَنْ يَكْتُبَ أُنَاسٌ كُتُبًا عَظِيمَةً حَقًّا، وَيَعِظُونَ عِظَاتٍ عَظِيمَةً، وَيَكُونُونَ قَادَةً فِي الْكَنِيسَةِ، ثُمَّ نَكْتَشِفُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ بِالْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُونُوا أَشْخَاصًا صَالِحِينَ طِيلَةَ هَذَا الْوَقْتِ. وَيَحْدُثُ هَذَا لِأَنَّنَا غَالِبًا مَا نَعْتَبِرُ اللَّاهُوتِيَّ الْجَيِّدَ شَخْصًا ذَكِيًّا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ دَقِيقًا جِدًّا فِي تَفْكِيرِهِ، وَلَا نَأْخُذُ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ مَا إِذَا كَانَ لِهَذَا التَّفْكِيرِ تَأْثِيرٌ عَلَى حَيَاتِهِ. وَيُعَدُّ ذَلِكَ فِي الْوَاقِعِ مُشْكِلَةً شَدِيدَةَ الْخُطُورَةِ... قَدْ يَكُونُ هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصُ جَيِّدِينَ فِي مُهِمَّتِهِمْ وَفِي ممارسة إمكانياتهم، إِلَّا أَنَّهُمْ قَدْ يَكُونُونَ أَشْخَاصًا سَيِّئِينَ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ فِي طَرِيقَةِ حَيَاتِهِمْ. الْمُشْكِلَةُ هِيَ أَنَّنَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْيَانِ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِقَبُولِ ذَلِكَ. إِنَّنَا عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِمُجَرَّدِ أَنْ نَتْرُكَ الْأَمْرَ نَوْعًا مَا عَلَى هَذَا النَّحْوِ، وَلَا نَتَحَدَّى أَبَدًا بِشَكْلٍ حَقِيقِيٍّ أَفْضَلَ لَاهُوتِيِّينَا لِتَحْوِيلِ أَفْكَارِهِمْ الْعَظِيمَةِ إِلَى حَيَاةٍ حَقِيقِيَّةٍ. وَهُنَا يُصْبِحُ الْأَمْرُ مُشْكِلَةً، عِنْدَمَا يَكُونُ ذَلِكَ الْأَمْرُ فِي كَنِيسَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَبَيْنَ قَادَتِنَا. لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ هِيَ أَنَّنَا لَا نَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى عُلَمَاءِ لَاهُوتٍ أَكَادِيمِيِّينَ جَيِّدِينَ، بَلْ نَحْتَاجُ إِلَى عُلَمَاءِ لَاهُوتٍ أَكَادِيمِيِّينَ يَكُونُونَ أَيْضًا أُنَاسًا صَالِحِينَ، أُنَاسًا يَجْعَلُونَ حَيَاتَهُمْ مُشَابِهَةً لِطُرُقِ الْمَسِيحِ.

— د. ريتشارد برات

لَيْسَ عِلْمُ اللَّاهُوتِ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةٍ عَقْلِيَّةٍ، بَلْ إِنَّهُ مَعْرِفَةٌ تُشَكِّلُ فِعْلِيًّا قُلُوبَنَا وَحَيَاتَنَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. وَهَكَذَا إِذَا كَانَ لَدَى شَخْصٍ مَا مَعْرِفَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا تُؤَثِّرُ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ عَلَى حَيَاتِهِ -أَيْ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يُعَامِلُ بِهَا النَّاسَ، أَيْ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَحْيَا بِهَا، أَيْ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَخْدِمُ بِهَا اللَّهَ فِي حَيَاتِهِ- فَلَيْسَ لَدَى هَذَا الشَّخْصِ إِذًا لَاهُوتٌ جَيِّدٌ. وَقَدْ أُجَادِلُ فِعْلِيًّا بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ لَاهُوتًا مِنْ الْأَسَاسِ، لِأَنَّ هَدَفَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ هُوَ تَطْبِيقُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ فِي حَيَاتِنَا. وَهَكَذَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ فِي النِّهَايَةِ إِنَّ الشَّخْصَ الَّذِي قَدْ نَعْتَبِرُهُ لَاهُوتِيًّا جَيِّدًا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ شَخْصًا صَالِحًا لَيْسَ هُوَ فِي النِّهَايَةِ لَاهُوتِيًّا جَيِّدًا.

— ق. هاتش جارماني

بِقَدْرِ أَهَمِّيَّةِ تَقْيِيمِ إِيجَابِيَّاتِ وَسَلْبِيَّاتِ التَّوَجُّهَاتِ الْأَكَادِيمِيَّةِ فِي اللَّاهُوتِ الْمَسِيحِيِّ يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَيْضًا أَنْ نَكُونَ مُحِيطِينَ بِمَزَايَا وَعُيُوبِ التَّوَجُّهَاتِ الْحَيَاتِيَّةِ. كَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ نُقِيمَ الْإِجْمَاعَ الْمُتَزَايِدَ عَلَى أَنَّ عِلْمَ اللَّاهُوتِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرْتَبِطًا بِالْحَيَاةِ عَلَى نَحْوٍ مُبَاشِرٍ بِدَرَجَةٍ أَكْبَرَ؟

تُعَدُّ نُقْطَةُ الْقُوَّةِ الْعُظْمَى لِلتَّوَجُّهِ الْحَيَاتِيِّ فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ مِنْ نَوَاحٍ كَثِيرَةٍ هِيَ أَنَّ التَّوَجُّهَ الْحَيَاتِيَّ يُمَكِّنُنَا مِنْ تَتْمِيمِ قِيَمٍ كِتَابِيَّةٍ مُهِمَّةٍ. نَعْلَمُ جَمِيعًا أَنَّ مَقَاطِعَ مِثْلَ يَعْقُوبَ 1: 22 تُطَالِبُنَا بِتَجَاوُزِ مُجَرَّدِ الْمَسَاعِي اَللَّاهُوتِيَّةِ الْأَكَادِيمِيَّةِ، فَكَمَا عَبَّرَ يَعْقُوبُ:

كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ سَامِعِينَ فَقَطْ خَادِعِينَ نُفُوسَكُمْ (يعقوب 1: 22).

تَسْتَبْعِدُ كَلِمَاتُ يَعْقُوبَ نِهَائِيًّا اَلرِّيَاءَ اَلْفِكْرِيَّ لِلْكَثِيرِ مِنْ اللَّاهُوتِيِّينَ. فَاللَّاهُوتُ الْجَيِّدُ سَيَقُودُ إِلَى الْحَيَاةِ الصَّحِيحَةِ، وَلَيْسَ فَقَطْ إِلَى التَّعَلُّمِ الصَّحِيحِ. وَإِذَا اعْتَقَدْنَا بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّنَا فَقَطْ نَخْدَعُ نُفُوسَنَا.

أَلَيْسَ هَذَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بُولُسُ فِي 1 كُورِنْثُوسَ 8: 1 حَيْثُ حَذَّرَ:

"الْعِلْمُ" يَنْفُخُ، وَلكِنَّ الْمَحَبَّةَ تَبْنِي (1 كورنثوس 8: 1).

وَفِي 1 كُورِنْثُوسَ 13: 2 ذَهَبَ الرَّسُولُ إِلَى حَدِّ الْقَوْلِ:

وَإِنْ... [كُنْتُ] أَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا (1 كورنثوس 13: 2).

لَقَدْ أَصَرَّ الرَّسُولُ بُولِسْ عَلَى أَنَّهُ حَتَّى وَإِنْ كُنَّا قَادِرِينَ عَلَى اسْتِيعَابِ كُلِّ مَفْهُومٍ لَاهُوتِيٍّ يُمْكِنُ تَخَيُّلُهُ، وَلَمْ تُؤْتِ هَذِهِ الْمَفَاهِيمُ ثَمَرَ الْمَحَبَّةِ، فَإِنَّ جُهُودَنَا اللَّاهُوتِيَّةَ لَا تُسَاوِي شَيْئًا.

يَدْعُو الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ بِاسْتِمْرَارٍ أَتْبَاعَ الْمَسِيحِ الْأُمَنَاءَ إِلَى تَوْجِيهِ تَأَمُّلَاتِهِمْ اللَّاهُوتِيَّةِ نَحْوَ الْحَيَاةِ لِلَّهِ. فَإِنَّنَا بِالْحَقِيقَةِ لَا نَفِي بِالْمَعَايِيرِ الْكِتَابِيَّةِ إِذَا كُنَّا فَقَطْ نُرَكِّزُ عَلَى التَّعَلُّمِ عَنْ اللَّاهُوتِ بِطَرِيقَةٍ مَعلُومَاتيَّةٍ مَفَاهِيمِيَّةٍ. وَلَكِنَّ اللَّاهُوتَ الَّذِي يُؤَيِّدُ قِيَمَ الْكِتَابِ اَلْمُقَدَّسِ سَيَكُونُ لَاهُوتًا يُجَسِّدُ مَا نُؤْمِنُ بِهِ.

إِلَّا أَنَّ التَّوَجُّهَاتِ الْحَيَاتِيَّةَ نَحْوَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ تُشَكِّلُ أَيْضًا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ خَطَرًا بَالِغًا، وَلَا سِيَّمَا خَطَرَ مَا قَدْ نُطْلِقُ عَلَيْهِ مُعَادَاةَ الْفِكْرِ. فَكثيرًا مَا يَرْفُضُ الْمَسِيحِيُّونَ الَّذِينَ يُقَدِّرُونَ الْحَيَاةَ لِلْمَسِيحِ قِيمَةَ التَّحْلِيلِ اللَّاهُوتِيِّ الدَّقِيقِ الْمُحْكَمِ، وَيَرَى الْبَعْضُ فِي الْوَاقِعِ اللَّاهُوتَ الرَّسْمِيَّ التَّقْلِيدِيَّ ذَا التَّوَجُّهِ الْأَكَادِيمِيِّ ضَارًّا بِالْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ.

لَقَدْ سَمِعْنَا جَمِيعًا أُنَاسًا مُخْلِصِينَ يَقُولُونَ أَشْيَاءَ مِثْلَ: "لَا أَعْتَقِدُ أَنَّنَا يَنْبَغِي أَنْ نَخُوضَ فِي الْعَقِيدَةِ، فَلَنْ يُفْضِيَ هَذَا إِلَّا إِلَى تَشْتِيتِ أَذْهَانِنَا عَنْ الْمَسِيحِ". أَوْ قَدْ تَكُونُ سَمِعْتَ: "لَسْتُ بِحَاجَةٍ إِلَى دِرَاسَةِ اللَّاهُوتِ؛ فَقَطْ امْتَلِئ بِالرُّوحِ". أَوْ رُبَّمَا سَمِعْتَ: "الْمَسِيحِيَّةُ الْعَقْلِيَّةُ مَسِيحِيَّةٌ مَيِّتَةٌ". يَرْفُضُ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ ذَوُو النَّوَايَا الْحَسَنَةِ اللَّاهُوتَ التَّقْلِيدِيَّ ذَا التَّوَجُّهِ الْأَكَادِيمِيِّ، بِسَبَبِ مُقَارَبَةٍ مُعَادِيَةٍ لِلْفِكْرِ يُقَارِبُونَ بِهَا الْإِيمَانَ. وَبَدَلًا مِنْ بِنَاءِ حَيَاتِهِمْ عَلَى لَاهُوتٍ مَفْهُومٍ بِدِقَّةٍ، بَلْ بِدِقَّةٍ شَدِيدَةٍ؛ غَالِبًا مَا يَرْتَكِنُ مُؤْمِنُونَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ بِبَسَاطَةٍ إِلَى حَدْسِهِمْ الرُّوحِيِّ دُونَ فَحْصِهِ بِعِنَايَةٍ. صَحِيحٌ أَنَّنَا يَنْبَغِي أَنْ نَحْيَا لِلْمَسِيحِ وَنَمْتَلِئَ بِالرُّوحِ. كَمَا أَنَّهُ صَحِيحٌ أَيْضًا أَنَّ الْمَسِيحِيَّةَ ذَاتَ التَّوَجُّهِ الْفِكْرِيِّ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُمِيتَةً. إِلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْنَا جَمِيعًا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ مُقَاوَمَةُ الْخَطَرِ الْبَالِغِ الْمُتَمَثِّلِ فِي مُعَادَاةِ الْفِكْرِ، وَالتَّصَدِّي لَهُ دَاخِلَ الْكَنِيسَةِ. إِذْ سَتُؤَدِّي مُعَادَاةُ الْفِكْرِ هَذِهِ لَا مَحَالَةَ إِلَى تَعَالِيمَ كَاذِبَةٍ وَمَفَاهِيمَ خَاطِئَةٍ عَنْ الْإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ، سَيَكُونُ لَهَا تَدَاعِيَاتٌ مُرَوِّعَةٌ عَلَى حَيَاةِ الْكَثِيرِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ.

أَقَرَّ بُولُسُ بِهَذَا الْخَطَرِ فِي 2 تِيمُوثَاوِسَ 2: 15 حَيْثُ شَجَّعَ تِيمُوثَاوِسَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ:

اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكًّى، عَامِلًا لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلًا كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَةِ

(2 تيموثاوس 2: 15).

أَصَرَّ بُولُسُ هُنَا عَلَى أَنَّ تِيمُوثَاوِسَ يَجِبُ أَنْ يُفَصِّلَ كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالِاسْتِقَامَةِ. لَكِنَّ الْقِيَامَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُهِمَّةً سَهْلَةً. فَقَدْ تَطَلَّبَ تَفْصِيلُ كَلِمَةِ الْحَقِّ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ مِنْ تِيمُوثَاوِسَ أَنْ يُصْبِحَ "عَامِلًا" –إِرْجاتِيس ἐργάτης فِي الْيُونَانِيَّةِ - وَهُوَ مُصْطَلَحٌ يُعَبِّرُ عَنْ شَخْصٍ يَعْمَلُ بِجِدٍّ. يَتَطَلَّبُ بِنَاءُ الْفِكْرِ اللَّاهُوتِيِّ الْمَسِيحِيِّ تَأَمُّلًا فِكْرِيًّا دَقِيقًا جِدًّا.

يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنَّا أَنْ يَنْظُرَ بِعِنَايَةٍ إِلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُعَرِّفُ بِهَا عِلْمَ اللَّاهُوتِ. إِذْ يَنْزَعُ الْبَعْضُ مِنَّا بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ إِلَى نَظْرَةٍ أَكَادِيمِيَّةِ التَّوَجُّهِ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ عَلَى حِسَابِ إِهْمَالِ جَوَانِبَ حَيَاتِيَّةٍ أُخْرَى. بَيْنَمَا يَنْزَعُ الْآخَرُونَ مِنَّا إِلَى تَوَجُّهٍ حَيَاتِيٍّ عَلَى حِسَابِ إِهْمَالِ الْأُمُورِ الْفِكْرِيَّةِ. وَلِتَجَنُّبِ هَذَيْنِ الْمَوْقِفَيْنِ الْمُتَطَرِّفَيْنِ يَجِبُ أَنْ نُقِرَّ بِأَنَّ هُنَاكَ مَوَاطِنَ قُوَّةٍ وَمَوَاطِنَ خَطِرٍ فِي كِلْتَا النَّظْرَتَيْنِ. يَتَمَثَّلُ طَرِيقُ الْحِكْمَةِ فِي اعْتِنَاقِ كِلْتَا النَّظْرَتَيْنِ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ. إِذْ إِنَّنَا نَحْتَاجُ إِلَى اللَّاهُوتِ الْأَكَادِيمِيِّ وَلَاهُوتِ الْحَيَاةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.

بَعْدَ اكتشاف عِدَّةِ أَوْجُهٍ لِـتَعْرِيفَاتِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ، نَحْنُ الْآنَ جَاهِزُونَ لِلنَّظَرِ فِي قَضِيَّةٍ ثَانِيَةٍ: أَهْدَافُ عِلْمِ اللَّاهُوتِ. مَا هِيَ الْأَهْدَافُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَحْتَلَّ مَكَانَ الصَّدَارَةِ بَيْنَمَا يَبْنِي الْمَسِيحِيُّونَ فِكْرَهُمْ اللَّاهُوتِيَّ؟ وَكَيْفَ تَرْتَبِطُ هَذِهِ الْأَهْدَافُ بِبَعْضِهَا الْبَعْضِ؟

تُوجَدُ طُرُقٌ لَا تُحْصَى يُمْكِنُنَا مِنْ خِلَالِهَا تَلْخِيصُ الْأَهْدَافِ الَّتِي يَنْبَغِي عَلَيْنَا مُحَاوَلَةُ الْوُصُولِ إِلَيْهَا بَيْنَمَا نَبْنِي فِكْرَنَا اللَّاهُوتِيَّ. فَبِالتَّأْكِيدِ تَقَعُ كَلِمَاتُ الرَّبِّ يَسُوعَ عَنْ الْوَصِيَّتَيْنِ الْعُظْمَيَيْنِ فِي كُلِّ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ ضِمْنَ هَذِهِ الطُّرُقِ. حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُودَنَا بِنَاءُ الْفِكْرِ اللَّاهُوتِيِّ نَحْوَ مَحَبَّةِ اللَّهِ مِنْ كُلِّ قَلْبِنَا وَكُلِّ نَفْسِنَا وَكُلِّ قُوَّتِنَا، وَنَحْوَ مَحَبَّةِ أَقْرِبَائِنَا كَنَفْسِنَا. وَيُمْكِنُنَا أَيْضًا تَلْخِيصُ أَهْدَافِ عِلْمِ اَللَّاهُوتِ فِي ضَوْءِ تَعْلِيمِ الرَّسُولِ بُولُسَ لِأَهْلِ كُورْنْثُوسَ، وَنَبْنِي فِكْرَنَا اللَّاهُوتِيَّ "لِمَجْدِ اللَّهِ". يَضَعُ هَذَانِ الْمَقْطَعَانِ وَالْمَقَاطِعُ الْمُشَابِهَةُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ مَعَايِيرَ عَالِيَةً جِدًّا لِحَيَاتِنَا بِأَكْمَلِهَا. وَلَكِنْ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ مِنْ سِلْسِلَتِنَا نُرِيدُ أَنْ نَسْتَكْشِفَ أَهْدَافَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ قَلِيلًا.

سَوْفَ نَسْتَكْشِفُ الْأَهْدَافَ الْمَسِيحِيَّةَ لِبِنَاءِ الْفِكْرِ اللَّاهُوتِيِّ فِي ثَلَاثِ خُطُوَاتٍ: أَوَّلًا- سَنُحَدِّدُ ثَلَاثَةَ أَهْدَافٍ أَسَاسِيَّةٍ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ. ثَانِيًا- سَنُعَلِّقُ عَلَى الِاعْتِمَادِ الْمُتَبَادَلِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَهْدَافِ. ثَالِثًا- سَنَفْحَصُ اَلْأَوْلَوِيَّاتِ اَلَّتِي يَنْبَغِي عَلَيْنَا مُرَاعَاتُهَا بَيْنَمَا نَسْعَى لِتَحْقِيقِ هَذِهِ اَلْأَهْدَافِ. لِنَبْدَأْ بِـاَلْأَهْدَافِ اَلْأَسَاسِيَّةِ لِبِنَاءِ اَلْفِكْرِ اَللَّاهُوتِيِّ اَلْمَسِيحِيِّ.

مِنْ نَوَاحٍ كَثِيرَةٍ تُوَفِّرُ تَعْرِيفَاتُ عِلْمِ اللَّاهُوتِ الَّتِي اسْتَكْشَفْنَاهَا بِالْفِعْلِ نُقْطَةَ انْطِلَاقٍ لِتَمْيِيزِ عِدَّةِ أَهْدَافٍ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ. فَمِنْ جِهَةٍ يُشِيرُ تَعْرِيفُ اللَّاهُوتِ الرَّسْمِيِّ، فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ، بِاعْتِبَارِهِ عِلْمًا، بِاتِّبَاعِ تَوَجُّهٍ أَكَادِيمِيٍّ، إِلَى أَنَّ أَحَدَ الْأَهْدَافِ يَتَمَثَّلُ فِي تَعْلِيمِ أَوْ تَطْوِيرِ عَقَائِدَ تُرَكِّزُ عَلَى الْأُمُورِ الْفِكْرِيَّةِ. بَيْنَمَا يُشِيرُ تَعْرِيفُ عِلْمِ اللَّاهُوتِ بِـتَوَجُّهٍ حَيَاتِيٍّ، مِنْ اَلْجِهَةِ الْأُخْرَى، إِلَى أَنَّ هَدَفًا آخَرَ هُوَ تَطْوِيرُ تَعَالِيمَ أَوْ عَقَائِدَ تُرَكِّزُ عَلَى الْقَضَايَا الْأَوْسَعِ نِطَاقًا الْمُخْتَصَّةِ بِكَامِلِ حَيَاتِنَا فِي الْمَسِيحِ.

سَوْفَ نَبْنِي عَلَى هَذَيْنِ التَّوَجُّهَيْنِ مِنْ خِلَالِ التَّحَدُّثِ عَنْ ثَلَاثَةِ أَهْدَافٍ أَسَاسِيَّةٍ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ: أَوَّلًا، سَنَنْظُرُ فِي الْأَمْرِ الَّذِي طَالَمَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةُ أَوْ الْعَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ. ثَانِيًا، سَنَسْتَكْشِفُ مَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ عَدَدٌ مِنْ اللَّاهُوتِيِّينَ الْحِدَاثِ الْأُرْثُوبِرَاكْسِيسْ َواَلْمُمَارَسَةُ اَلصَّحِيحَةُ. ثَالِثًا، سَنُنَاقِشُ هَدَفًا أَسَاسِيًّا غَالِبًا مَا يَتِمُّ التَّغَاضِي عَنْهُ فِي اللَّاهُوتِ الْمَسِيحِيِّ الرَّسْمِيِّ، وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ اَلْأُرْثُوبَاثُوسْ أَوْ اَلْعَاطِفَةُ اَلصَّحِيحَةُ. لِنَبْدَأْ بِمَا نَعْنِيهِ بِالْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ.

يُسْتَخْدَمُ مُصْطَلَحُ "الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ" فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِلإشارةِ إلى أَفْرُعٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ الْكَنِيسَةِ، مِثْلَ الْكَنَائِسِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ فِي الْمَسِيحِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ. إِلَّا أَنَّنَا سَنَسْتَخْدِمُ الْكَلِمَةَ هُنَا بِمَفْهُومِهَا الْعَامِّ لِتَعْنِيَ بِبَسَاطَةٍ:

التَّفْكِيرَ الصَّحِيحَ أَوْ الْقَوِيمَ

يَعْنِي هَذَا الْهَدَفُ الْمُتَمَثِّلُ فِي الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْوُصُولَ إِلَى عَقَائِدَ صَحِيحَةٍ أَوْ حَقَّةٍ. فَبِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ طَائِفَتِنَا أَوْ كَنِيسَتِنَا، نَحْنُ نَهْتَمُّ، بِدَرَجَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، عِنْدَمَا نَبْنِي الْفِكْرَ اللَّاهُوتِيَّ بِصِحَّةِ مَا نُؤْمِنُ بِهِ. فَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُؤْمِنَ بِالْأَشْيَاءِ الصَّحِيحَةِ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ الْأُمُورِ الْأُخْرَى الْمُرْتَبِطَةِ بِاللَّهِ. وَمِنْ ثَمَّ لَيْسَ مِنْ الصَّعْبِ مَعْرِفَةُ سَبَبِ التَّشْدِيدِ عَلَى هَذَا الْهَدَفِ الْمَفَاهِيمِيِّ مِنْ قِبَلِ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ تَوَجُّهًا أَكَادِيمِيًّا نَحْوَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ.

إِنَّ اللَّاهُوتِيِّينَ مُحِقُّونَ بِشَأْنِ جَعْلِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ هَدَفًا أَسَاسِيًّا لِعَمَلِهِمْ اللَّاهُوتِيِّ. حَيْثُ إِنَّنَا الْيَوْمَ مَعَ التَّوَاصُلِ السَّرِيعِ وَالتَّغَيُّرَاتِ السُّكَّانِيَّةِ الْحَادِثَةِ عَلَى مُسْتَوَى الْعَالَمِ، نَتَقَابَلُ مَعَ أَدْيَانٍ أُخْرَى غَيْرِ الْمَسِيحِيَّةِ طَوَالَ الْوَقْتِ تَقْرِيبًا. وَهَذَا يَتْرُكُ الْكَثِيرِينَ مُرْتَبِكِينَ حِيَالَ مَا يَجِبُ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ. حَتَّى إِنَّ الْكَثِيرَ مِنْ اللَّاهُوتِيِّينَ الْمَسِيحِيِّينَ يَتَسَاءَلُونَ عَمَّا إِذَا كَانَ بِإِمْكَانِنَا حَقًّا أَنْ نَكُونَ مُتَأَكِّدِينَ إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ مِنْ ادِّعَاءَاتِ الْحَقِّ التَّقْلِيدِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِإِيمَانِنَا. وَإِلَى جَانِبِ التَّأْثِيرَاتِ الْمُرْبِكَةِ مِنْ خَارِجِ الْمُجْتَمَعِ الْمَسِيحِيِّ، فَمِنْ الصَّعْبِ أَيْضًا الْعُثُورُ عَلَى مَسِيحِيِّينَ دَاخِلَ الْكَنِيسَةِ يَفْهَمُونَ وَيُمْكِنُهُمْ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ مُجرّد حَفْنَةٍ مِنْ الْعَقَائِدِ الْجَوْهَرِيَّةِ.

قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلاَمُكَ هُوَ حَقٌ (يوحنا 17: 17).

كَانَ يَسُوعُ مُهْتَمًّا بِعُمْقٍ بِالْعَقِيدَةِ اَلْصحيحةِ. يَعْتَقِدُ اَلْكَثِيرُونَ اَلْيَوْمَ أَنَّهُ بِإِمْكَانِنَا أَنْ نَتَقَدَّسَ -أو نُفْرَزُ لِخِدْمَةِ اَللَّهِ- بِدُونِ تَعَلُّمِ مَفَاهِيمَ لَاهُوتِيَّةٍ صحيحةٍ. وَلَكِنْ يَسُوعُ صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّسَ الرُّسُلُ بِحَقِّ كَلِمَةِ اللَّهِ. لَقَدْ أَكَّدَ الرَّبُّ يَسُوعُ أَنَّ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةَ هِيَ أَحَدُ أَهْدَافِ اللَّاهُوتِ الرَّئِيسِيَّةِ، وَكَأَتْبَاعٍ لَهُ، عَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَ الشَّيْءَ نَفْسَهُ.

وَالْآنَ بِقَدْرِ أَهَمِّيَّةِ التَّأْكِيدِ عَلَى الْهَدَفِ الْأَسَاسِيِّ الْمُتَمَثِّلِ فِي الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ، يَجِبُ عَلَى الْمَسِيحِيِّينَ أَيْضًا الِاعْتِرَافُ بِهَدَفِ اَلْمُمَارَسَة اَلصَّحِيحَة، أو الْأُرْثُوبِرَاكْسِيسْ.

تَعْنِي كلمة الْأُرْثُوبِرَاكْسِيسْ التَّرْكِيزَ عَلَى:

السُّلُوكِ الصَّحِيحِ أَوْ الْمُمَارَسَةِ الصَّحِيحَةِ

تَتَذَكَّرُونَ أَنَّ وِيلْيَام إِيمِس قَدْ وَصَفَ لُبَّ أَوْ جَوْهَرَ اللَّاهُوتِ بِأَنَّهُ عَقِيدَةُ "الْحَيَاةِ لِلَّهِ". وَأَحَدُ جَوَانِبِ الْحَيَاةِ لِلَّهِ هُوَ مُمَارَسَاتُنَا أَوْ سُلُوكُنَا. فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّفْكِيرِ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ فِي الْمَفَاهِيمِ اللَّاهُوتِيَّةِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا أَيْضًا أَنْ نَضَعَ هَذِهِ اَلْمَفَاهِيمَ مَوْضِعَ اَلتَّطْبِيقِ وَالْمُمَارَسَةِ. وَنَقْصِدُ هُنَا سُلُوكِيَّاتٍ مَادِّيَّةً حِسِّيَّةً عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ. فَنَحْنُ نَتَعَلَّمُ فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ مَثَلًا أَنَّنَا يَجِبُ أَنْ نُصَلِّيَ، وَأَنْ نُكْرِزَ، وَأَنْ نَعْبُدَ، وَأَنْ نَخْدِمَ بَعْضَنَا بَعْضًا، وَأَنْ نُعْطِيَ الْفُقَرَاءَ بِسَخَاءٍ. إلَّا أَنَّ التَّعَلُّمَ عَنْ هَذِهِ الْحَقَائِقِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحَقَائِقِ لَا يَكْفِي لِبِنَاءِ لَاهُوتٍ مَسِيحِيٍّ مَسْؤُولٍ. بَلْ يَجِبُ تَرْجَمَةُ هَذِهِ الْحَقَائِقِ إِلَى أَفْعَالٍ مُنَاسِبَةٍ، إِلَى الْأُرْثُوبِرَاكْسِيسْ.

إِنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ اللَّاهُوتِ وَالْأُرْثُوبْرَاكْسِيسْ، أَوْ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا هَذَا اللَّاهُوتُ إِلَى حَيِّزِ الْمُمَارَسَةِ وَالْعَمَلِ فِي حَيَاتِنَا، هِيَ أَمْرٌ مِحْوَرِيٌّ. وَيَرْجِعُ ذَلِكَ جُزْئِيًّا إِلَى أَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِمَا نُؤْمِنُ بِهِ، وَلَكِنَّهَا تَتَعَلَّقُ أَيْضًا بِكَيْفِيَّةِ خُرُوجِ هَذَا الَّذِي نُؤْمِنُ بِهِ إِلَى حَيِّزِ الْمُمَارَسَةِ وَالْعَمَلِ فِي حَيَاتِنَا. يُمْكِنُكَ الرُّجُوعُ بِتَفْكِيرِكَ إِلَى الْكَنِيسَةِ الْأُولَى وَالتَّأَمُّلُ فِي الْغُنُوسِيِّينَ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، فَقَدْ تَعَلَّقَ الْأَمْرُ كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْغُنُوسِيِّينَ بِامْتِلَاكِ هَذَا الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ، أَيْ هَذِهِ الْمَعَارِفِ السِّرِّيَّةِ عَنْ اللَّهِ وَكَلِمَتِهِ وَهُوِيَّةِ يَسُوعَ. وَلَمْ تَكُنْ كَيْفِيَّةُ خُرُوجِ ذَلِكَ إِلَى حَيِّزِ الْمُمَارَسَةِ وَالْعَمَلِ فِي حَيَاةِ الْمَرْءِ بِالْأَمْرِ الْمُهِمِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْعَالَمِ، كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَرْضِ، هُوَ عَرَضِيٌّ. فَمَا مِنْ مَعْنًى يَكُونُ فِيهِ السُّلُوكُ الْمُرْتَبِطُ بِمَا يُؤْمِنُ بِهِ الْمَرْءُ ذَا أَهَمِّيَّةٍ. وَلَكِنَّ الْمَسِيحَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. بَلْ يَقُولُ اللَّهُ لِشَعْبِهِ فِي تَعَالِيمِ الْمَسِيحِ، وَفِي الْكِتَابَاتِ فِي كَافَّةِ أَرْجَاءِ بَقِيَّةِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، وَفِي كَافَّةِ أَرْجَاءِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ بِأَكْمَلِهِ فِي الْوَاقِعِ: "أَنْتُمْ شَعْبِي، وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ، وَلِأَنَّنَا لَدَيْنَا هَذِهِ الْعَلَاقَةُ، فَأَنْتُمْ مَبْعُوثِيَّ إِلَى الْعَالَمِ؛ وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ مَا تَفْعَلُونَهُ يَعْكِسُ عَلَاقَتَكُمْ مَعِي". وَهَكَذَا فَإِنَّ هُنَاكَ رِبَاطٌ لَا يَنْفَصِمُ بَيْنَ مَا نُؤْمِنُ بِهِ وَكَيْفَ نَسْلُكُ، أَيْ كَيْفَ نَعِيشُ ذَلِكَ الْإِيمَانَ، سَوَاءٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْخِدْمَةِ وَأُولَئِكَ الْمَدْعُوِّينَ لِيَكُونُوا قَادَةَ كَنِيسَةٍ أَوْ خِدْمَةٍ، وَكَيْفَ يَرْعَوْنَ الْقَطِيعَ. أَوْ حَتَّى مِنْ نَاحِيَةِ أُولَئِكَ الْمَوْجُودِينَ فَقَطْ دَاخِلَ الْكَنِيسَةِ، وَالَّذِينَ يَعِيشُونَ إِيمَانَهُمْ فِي خِدْمَتِهِمْ الْخَاصَّةِ اَلَّتِي دَعَاهُمْ اَللَّهُ إِلَيْهَا فِي عَمَلِهِمْ أَوْ حَيَاتِهِمْ أَوْ مَدْرَسَتِهِمْ. يُمَثِّلُ مَا نُؤْمِنُ بِهِ وَكَيْفِيَّةُ خُرُوجِ ذَلِكَ الْإِيمَانِ إِلَى حَيِّزِ الْمُمَارَسَةِ وَالْعَمَلِ فِي حَيَاتِنَا عَلَاقَةً جَوْهَرِيَّةً بِلَا شَكٍّ.

— د. سكات مانور

يُوَاجِهُ الْإِنْجِيلِيُّونَ مَعَ الْأَسَفِ تَحَدِّيَاتٍ هَائِلَةً عِدَّةً فِي الْحِفَاظِ عَلَى اهْتِمَامِهِمْ بِالْهَدَفِ اللَّاهُوتِيِّ الْمُتَمَثِّلِ فِي الْأُرْثُوبِرَاكْسِيس. فَمِنْ جِهَةٍ لَا يَتَوَقَّفُ النَّاسُ مِنْ خَارِجِ الْكَنِيسَةِ عَنْ قَصْفِنَا بِالْكِذْبَةِ الْقَائِلَةِ بِأَنَّهُ لَا تُوجَدُ مُطْلَقَاتٌ أَخْلَاقِيَّةٌ، لَا تُوجَدُ سُلُوكِيَّاتٌ جَيِّدَةٌ أَوْ سَيِّئَةٌ بِشَكْلٍ خَاصٍّ. وَلِذَلِكَ بَدَأَ الْكَثِيرُونَ مِنَّا يَشْعُرُونَ بِالضَّجَرِ مِنْ الْوُقُوفِ ضِدَّ تَيَّارِ ثَقَافَاتِنَا بِالْإِصْرَارِ عَلَى وُجُودِ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ لِلسُّلُوكِ وَأُخْرَى خَاطِئَةٍ.

بَلْ وَمِنْ دَاخِلِ الْكَنِيسَةِ أَيْضًا، حَيْثُ يَنْبُعُ بَعْضُ تَحَفُّظِنَا عَلَى جَعْلِ الْأُرْثُوبِرَاكْسِيس هَدَفًا مِحْوَرِيًّا مِنْ حَقِيقَةِ كَيْفَ أَنَّنَا كَمَسِيحِيِّينَ قَدْ فَشِلْنَا فِي هَذَا الْمَسْعَى فِي الْمَاضِي. فَقَدْ ارْتَكَبَتْ الْكَنِيسَةُ الْكَثِيرَ مِنْ الْخَطَايَا بِاسْمِ الْحَقِّ. وَنَحْنُ نَنْظُرُ فِي تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ وَنَرَى سُلُوكِيَّاتٍ شَنِيعَةً كَانَتْ مَدْعُومَةً بِحُجَجٍ لَاهُوتِيَّةٍ جَادَّةٍ. إِنَّهَا لَحَقِيقَةٌ تَارِيخِيَّةٌ مُحْزِنَةٌ أَنَّ الْمُتَدَيِّنِينَ، وَحَتَّى الْمَسِيحِيِّينَ الْمُخْلِصِينَ مِنْهُمْ، غَالِبًا مَا يَسْتَخْدِمُونَ لَاهُوتَهُمْ لِتَبْرِيرِ كُلِّ أَنْوَاعِ الْخَطَايَا الْبَشِعَةِ.

وَلَكِنْ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذِهِ الصُّعُوبَاتِ الْخَطِيرَةِ لَا تَزَالُ الْأُرْثُوبِرَاكْسِيس أَمْرًا فِي غَايَةِ الْأَهَمِّيَّةِ، لِأَنَّ سُلُوكَنَا لَا يَزَالُ مُهِمًّا عِنْدَ اللَّهِ. وَلَا تَزَالُ أَعْمَالُنَا الصَّالِحَةُ وَالشِّرِّيرَةُ تُؤَثِّرُ عَلَى مُكَافَآتِنَا الْأَبَدِيَّةِ. عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ الَّتِي نَقُومُ بِهَا يُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ وَسِيلَةَ اللَّهِ لِخِدْمَةِ إِخْوَتِنَا الْمُؤْمِنِينَ. وَلَا يَزَالُ بِإِمْكَانِنَا تَقْدِيمُ شَهَادَةٍ قَوِيَّةٍ عَنْ الْمَسِيحِ لِلْعَالَمِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ مِنْ خِلَالِ السُّلُوكِ اَللَّائِقِ. مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ وَغَيْرِهَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْأُرْثُوبَرَاكْسِيس هَدَفًا جَوْهَرِيًّا لِعِلْمِ اَللَّاهُوتِ.

وَالْآنَ نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى التَّحَرُّزِ عَلَى الْكَثِيرِ مِنْ الْأَصْعِدَةِ. حَيْثُ يَجِبُ أَنْ يُمَيِّزَ الِاتِّضَاعُ وَالْمَحَبَّةُ سُلُوكَنَا كُلَّ حِينٍ. وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ لَا يَجِبُ أَنْ نَخْتَزِلَ الْحَيَاةَ الْمَسِيحِيَّةَ إِلَى مُجَرَّدِ أَفْعَالٍ. فَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ وَاضِحٌ بِشَأْنِ أَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَكْسِبَ خَلَاصَنَا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي عَلَى الْإِطْلَاقِ أَنْ يَهْتَمَّ عِلْمُ اللَّاهُوتِ فَقَطْ بِالصِّحَّةِ الْمَعلوماتِيَّةِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَهْتَمَّ أَيْضًا بِتَعْلِيمِ وَعَمَلِ الْأَشْكَالِ الصَّحِيحَةِ مِنْ الْأَفْعَالِ. اسْتَمِعْ إِلَى يَعْقُوبَ 2: 19 حَيْثُ يُحَذِّرُ يَعْقُوبُ مِنْ السَّعْيِ وَرَاءَ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ دُونَ الْأُرْثُوبْرَاكْسِيس:

أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ (يعقوب 2: 19).

لَقَدْ قَدَّمَ يَعْقُوبُ فِي هَذَا الْجُزْءِ ادِّعَاءً لَافِتًا. فَمِنْ نَوَاحٍ كَثِيرَةٍ يُعَدُّ الشَّيَاطِينُ أُرْثُوذُكْسِيِّينَ، إِذْ إِنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ. وَيُؤْمِنُونَ بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ إِيمَانًا عَمِيقًا إِلَى حَدِّ أَنَّهُمْ "يَقْشَعِرُّونَ" فِي خَوْفٍ. إِلَّا أَنَّ أُرْثُوذُكْسِيَّةَ الشَّيَاطِينِ لَا تَعُودُ عَلَيْهِمْ بِنَفْعٍ، لِأَنَّهُمْ يَرْفُضُونَ الْخُضُوعَ لِلَّهِ فِي مُمَارَسَاتِهِمْ.

يَكْتُبُ يَعْقُوبُ إِلَى مَسِيحِيِّينَ يَهُودٍ مُشَتَّتِينَ فِي الْخَارِجِ، وَيُعَلِّقُ عَلَى إِقْرَارِ إِيمَانِهِمْ الْمَرْكَزِيِّ، فَيَقُولُ: "هَلْ تُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ؟"، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْـ(شِمَاع)، وَهِيَ صَلَاةٌ مِنْ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ كَانُوا يُصَلُّونَهَا كُلَّ يَوْمٍ. يَقُولُ يَعْقُوبُ: "حَسَنًا، إذَا كُنْتَ تُؤْمِنُ بِذَلِكَ، فَحَسَنًا تَفْعَلُ، وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ أَيْضًا يُؤْمِنُونَ وَيَرْتَعِدُونَ". فَمَا الْفَرْقُ إذًا بَيَّنَ الْإِيمَانِ مِثْلَمَا يُؤْمِنُ حَتَّى الشَّيَاطِينُ، وَبَيْنَ الْإِيمَانِ الحقيقيّ الَّذِي بِالْفِعْلِ يُخَلِّصُنَا؟ يَكْمُنُ الْفَرْقُ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ اللَّهِ. فَلَا يُرَكِّزُ يَعْقُوبُ فَقَطْ عَلَى قِرَاءَةِ اَلْكَلِمَةِ، أَوْ فَقَطْ عَلَى اِعْتِنَاقِ هَذِهِ اَلْكَلِمَاتِ مِنْ حَيْثُ اَلْفِكْرَةُ؛ لَكِنَّهُ يُرَكِّزُ أَيْضًا عَلَى اِتِّبَاعِهَا وَقُلُوبِنَا مُلْتَصِقَةً بِاَللَّهِ. يُعَبِّرُ يَسُوعُ عَنْ ذَلِكَ بِهَذِهِ اَلطَّرِيقَةِ: "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَسَتُطِيعُونَ وَصَايَايَ".

— د. جريج بيري

بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْأَهْدَافِ الْأَسَاسِيَّةِ اَلْمُتَمَثِّلَةِ فِي الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ وَالْأُرْثُوبِرَاكْسِيس، عَلَيْنَا أَنْ نُشِيرَ أَيْضًا إِلَى هَدَفِ اَلْعَاطِفَة اَلصَّحِيحَة أو الْأُرْثُوبَاثُوس.

لَا يُسْتَخْدَمُ هَذَا الِاصْطِلَاحُ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ اَلصَّعْبِ فَهْمُهُ. يَعْنِي مُصْطَلَحُ "اَلْأُرْثُوبَاثُوس":

الْمَشَاعِرَ الصَّحِيحَةَ أَوْ الْعَوَاطِفَ الصَّحِيحَةَ

تَتَضَمَّنُ الْحَيَاةُ لِلَّهِ التَّأَكُّدَ مِنْ اسْتِخْدَامِ أَعْمَقِ مَشَاعِرِنَا فِي خِدْمَتِهِ. إِذْ يَجِبُ أَنْ تَتَوَافَقَ أَفْرَاحُنَا وَإِحْبَاطَاتُنَا وَاشْتِيَاقَاتُنَا وَغَضَبُنَا وَنُشْوَتُنَا وَمَجْمُوعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ الْعَوَاطِفِ الْأُخْرَى مَعَ مَشِيئَةِ اللَّهِ. وَمَعَ الْأَسَفِ، إِذَا كَانَ هُنَاكَ أَيُّ هَدَفٍ مِنْ أَهْدَافِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ يَمِيلُ عُلَمَاءُ اللَّاهُوتِ الْأَكَادِيمِيُّونَ إِلَى التَّغَاضِي عَنْهُ، فَإِنَّهُ ذَلِكَ الْهَدَفُ الْمُتَمَثِّلُ فِي الْأُرْثُوبَاثُوس. وَيَحْدُثُ إِهْمَالُ الْبُعْدِ الْعَاطِفِيِّ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ لِسَبَبَيْنِ عَلَى الْأَقَلِّ:

أَوَّلًا، غَالِبًا مَا يَكُونُ الْكَثِيرُ مِنْ عُلَمَاءِ اللَّاهُوتِ الْأَكَادِيمِيِّينَ غَيْرَ أَكْفَاءٍ مِنْ النَّاحِيَةِ السِّيكُولُوچيَّةِ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ الْعَوَاطِفِ أَوْ اسْتِكْشَافِهَا. فَفِي الْوَاقِعِ، كَثِيرًا مَا يَكُونُ لِلنَّمُوذَجِ الْأَكَادِيمِيِّ الْعَقِيمِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْيَانِ تَأْثِيرٌ عَلَى الْأَشْخَاصِ حَتَّى يَمْتَهِنُوا اللَّاهُوتَ الْأَكَادِيمِيَّ –فَيَصِيرُونَ أَسَاتِذَةً وَمُعَلِّمِينَ- لِكَيْ يَتَجَنَّبُوا مُوَاجَهَةَ الْأَبْعَادِ الْعَاطِفِيَّةِ لِلْحَيَاةِ. فَلَا عَجَبَ إِذًا، أَنْ تَجِدَ الْقَلِيلَ مِنْ الْإِثَارَةِ، وَالْفَرَحِ، وَالْأَلَمِ، وَالتَّعَاطُفِ، وَالِاهْتِمَامِ، وَالْحُبِّ مُعَبَّرًا عَنْهُ فِي الْكِتَابَاتِ اللَّاهُوتِيَّةِ الْأَكَادِيمِيَّةِ، كما هو الحال، فِي كُتُبِ عِلْمِ اللاهوتِ الْأَكَادِيمِيَّةِ. إِذَا سَبَقَ لَكَ أَنْ قَرَأْتَ كَثِيرًا فِي اللَّاهُوتِ الْأَكَادِيمِيِّ، فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْأُمُورَ الْعَاطِفِيَّةَ لَا تَحْظَى بِقَدْرٍ كَبِيرٍ مِنْ الِاهْتِمَامِ. وَيَحْدُثُ هَذَا مَعَ الْأَسَفِ فِي الْكَثِيرِ جِدًّا مِنْ الْأَحْيَانِ، لِأَنَّ اللَّاهُوتِيِّينَ الْمُحْتَرِفِينَ أَنْفُسَهُمْ لَا يُقَدِّرُونَ الْعَوَاطِفَ؛ أَوْ لِأَنَّهُمْ بِبَسَاطَةٍ لَمْ يُطَوِّرُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْمُسْتَوَى الْعَاطِفِيِّ.

أَمَّا الْعَقَبَةُ الثَّانِيَةُ فِي طَرِيقِ الْأُرْثُوبَاثُوس، فَتَتَمَثَّلُ فِي أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ الْإِنْجِيلِيِّينَ وَقَعُوا فِي فَخِّ الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ الْمَشَاعِرَ لَيْسَ لَهَا صِفَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ، أَوْ مُحَايَدَةٌ أَخْلَاقِيًّا. وَهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُنَاسِبِ الْحَدِيثُ عَنْ بَعْضِ الْمَشَاعِرِ بِاعْتِبَارِهَا صَحِيحَةً وَعَنْ الْبَعْضِ الْآخَرِ بِاعْتِبَارِهَا خَاطِئَةً. وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَفْهُومَ الْأُرْثُوبَاثُوس -أو الْمَشَاعِرُ الصَّحِيحَةُ- مَفْهُومٌ ضَالٌّ بِالْكُلِّيَّةِ. غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ الْمُثِيرِ لِلِاهْتِمَامِ مُلَاحَظَةُ، أَنَّهُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ الِانْتِشَارِ اَلْوَاسِعِ لِوُجْهَةِ اَلنَّظَرِ اَلْقَائِلَةِ بِأَنَّ اَلْعَوَاطِفَ لَيْسَ لَهَا صِفَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ، فَإِنَّ هَذِهِ اَلنَّظْرَةَ فِي اَلْوَاقِعِ تَنْسَجِمُ مَعَ بَعْضِ النَّظَرِيَّاتِ السِّيكُولُوچيَّةِ الْحَدِيثَةِ أَكْثَرَ جِدًّا مِنْ انْسِجَامِهَا مَعَ وُجُهَاتِ نَظَرِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّس.

عِنْدَمَا تُفَكِّرُ فِي ثَمَرِ الرُّوحِ الْقُدُسِ الْمَذْكُورِ فِي الْإِصْحَاحِ 5 مِنْ رِسَالَةِ غَلَاطِيَّةَ: مَحَبَّةُ، فَرَحُ، سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلَاحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ- عِنْدَمَا تُفَكِّرُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، تَجِدُ أَنَّهَا تَحْمِلُ طَابَعًا عَاطِفِيًّا قَوِيًّا. وَمَا يُخْبِرُنَا بِهِ هَذَا هُوَ أَنَّ عَمَلَ الرُّوحِ الْقُدُسِ فِي حَيَاةِ الْمُؤْمِنِ يُؤَثِّرُ عَلَى الْعَوَاطِفِ. وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ الْعَوَاطِفَ لَيْسَتْ مُحَايِدَةً أَخْلَاقِيًّا، بَلْ هُنَاكَ عَوَاطِفُ جَيِّدَةٌ وَهُنَاكَ عَوَاطِفُ سَيِّئَةٌ. هُنَاكَ عَوَاطِفُ بَارَّةٌ وَهُنَاكَ عَوَاطِفُ شِرِّيرَةٌ. نَحْنُ غَالِبًا مَا نُوَاجِهُ صُعُوبَةً فِي تَمْيِيزِ الْعَوَاطِفِ بين هَذَا الْمَوْقِفِ وذاك. وَلَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنَّهُ كُلَّمَا فَكَّرْنَا عَلَى غِرَارِ مَا يُعَلِّمُنَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ إِيَّاهُ، سَأَلْنَا أَسْئِلَةً مِثْلَ: هَلْ عَاطِفَتِي صَحِيحَةٌ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ؟ هَلْ شُعُورِي حِيَالَ هَذَا الظَّرْفِ هُوَ الشُّعُورُ الَّذِي يُرِيدُنِي اللَّهُ أَنْ أَشْعُرَ بِهِ حِيَالَهُ؟ إِنَّ وَاقِعَ أَنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ يَتَضَمَّنُ كُلَّ أَنْوَاعِ الْمُصْطَلَحَاتِ الْعَاطِفِيَّةِ، مِثْلَ اللُّطْفِ وَالْوَدَاعَةِ وَالتَّعَفُّفِ وَأَمْثَالِهَا -مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ- أَعْنِي مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ عَاطِفِيَّةً مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ؟ وَالْحَقِيقَةُ إِذًا هِيَ أَنَّ الْعَوَاطِفَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ جُزْءًا مِنْ اللَّاهُوتِ الْمَسِيحِيِّ. فَعِنْدَمَا نُفَكِّرُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَعِنْدَمَا نُطَبِّقُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ عَلَى الْحَيَاةِ، لَا بُدَّ أَنْ يُؤَثِّرَ الْكِتَابُ عَلَى حَيَاتِنَا الْعَاطِفِيَّةِ. لَيْسَ فَقَطْ عَلَى حَيَاتِنَا الْفِكْرِيَّةِ، وَلَيْسَ فَقَطْ عَلَى سُلُوكِيَّاتِنَا، وَلَكِنْ عَلَى عَوَاطِفِنَا كَذَلِكَ.

— د. ريتشارد برات

يُخْبِرُنَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ الْكَثِيرَ عَنْ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ نُفَكِّرَ فِي اللَّهِ، وَكَيْفَ يَجِبُ أَنْ نَتَصَرَّفَ تُجَاهَ اللَّهِ، وَأَيْضًا مَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَشْعُرَ بِهِ حِيَالَ اللَّهِ. لِذَا فَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ وَاضِحٌ جِدًّا بِشَأْنِ أَنَّ الْعَوَاطِفَ لَيْسَتْ مُحَايِدَةً أَخْلَاقِيًّا. بَلْ تُمَثِّلُ الْعَوَاطِفُ إِحْدَى الطُّرُقِ الَّتِي مِنْ خِلَالِهَا يَجِبُ أَنْ نُمَجِّدَ اللَّهَ بِكُلِّ كِيَانِنَا... أُصَلِّي أَنْ كُلُّ جَانِبٍ مِنْ اسْتِجَابَتِي الْعَاطِفِيَّةِ لِلرَّبِّ، وَكُلُّ جَانِبٍ مِنْ اسْتِجَابَتِي الْعَاطِفِيَّةِ لِحَيَاتِي، وَمَا يَحْدُثُ فِي حَيَاتِي، يَعْكِسَ مَنْ هُوَ اللَّهُ، وَمَنْ الَّذِي صَنَعَنِي لِأَكُونَهُ، وَكَيْفَ صَنَعَنِي لِأَسْتَجِيبَ لِهَذَا الْعَالَمِ الْمَكْسُورِ. هَذَا الْعَالَمُ الَّذِي يَفْدِيهِ اللَّهُ الْآنَ، وَيَأْتِي بِهِ إلَى الْإِتْمَامِ وَالِاكْتِمَالِ بَيْنَمَا يَخْلُقُ السَّمَاوَاتِ الْجَدِيدَةَ وَالْأَرْضَ الْجَدِيدَةَ.

— د. مارك باتلاك

نَجِدُ مِثَالًا رَائِعًا لِلْبَاثُوس أَوْ الْعَاطِفَةِ اَلصَّحِيحَةِ دَاخِلَ الْكِتَابَاتِ اللَّاهُوتِيَّةِ فِي كِتَابَاتِ الرَّسُولِ بُولُسَ. فَجَمِيعُنَا يُعْلَمُ أَنَّ بُولُسَ كَانَ مُهْتَمًّا بِالْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ. وَقَدْ كَانَ مُلْتَزِمًا بِالسَّعْيِ وَرَاءَ الْحَقِّ. إِلَّا أَنَّ بُولُسَ فِي مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ ضَبْطَ مَشَاعِرِهِ وَهُوَ يَكْتُبُ عَنْ الْحَقِّ. إِذْ تَسَبَّبَتْ تَأَمُّلَاتُهُ فِي الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ فِي انْفِجَارَاتٍ عَاطِفِيَّةٍ تِلْقَائِيَّةٍ. وَعَلَى سَبِيلِ إِعْطَاءِ مِثَالٍ وَاحِدٍ فَقَطْ لِذَلِكَ، اسْتَمِعْ إِلَى رُومِيَةَ 11: 33-36 حَيْثُ انْفَجَرَ بُولُسُ فِي تَسْبِيحٍ تَمْلَؤُهُ النَّشْوَةُ قَائِلًا:

يَا لَعُمْقِ غِنَى الله وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ ٱلْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ ٱلِٱسْتِقْصَاءِ! ”لِأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ ٱلرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟ أَوْ مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ؟“ لِأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ ٱلْأَشْيَاءِ. لَهُ ٱلْمَجْدُ إِلَى ٱلْأَبَدِ. آمِينَ (رومية 11: 33-36).

وَالْآنَ مَتَى كَانَتْ آخِرُ مَرَّةٍ قَرَأْتُ فِيهَا شَيْئًا مِثْلَ هَذَا فِي وَسَطِ أُطْرُوحَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ أَكَادِيمِيَّةٍ؟

تُعَلِّمُنَا رِسَالَةُ رُومِيَةَ فِي الْإِصْحَاحَاتِ الْأَحَدَ عَشَرَ الْأُولَى، كُلَّ الْأَعْمَاقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَنْ هُوَ اللَّهُ وَمَا فَعَلَهُ. يُضِيفُ بُولُسُ فِي كُلِّ إِصْحَاحٍ شَيْئًا جَدِيدًا، وَعِنْدَمَا تَصِلُ إِلَى الْإِصْحَاحِ 11، وَفِي نِهَايَةِ الْإِصْحَاحِ، تَرَى الرَّسُولَ بُولُسَ يُعَبِّرُ عَنْ كُلِّ عَظَمَةٍ مَا عَرَفَهُ عَنْ اللَّهِ... عِنْدَمَا تَصِلُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِهَذَا الشَّكْلِ كَمَا فَعَلَ بُولُسُ -هَذَا الْإِلَهُ الرَّحِيمُ الْمُحِبُّ الْعَادِلُ الصَّالِحُ الْمُتَسَلِّطُ- لَا يُمْكِنُكَ تَجَنُّبُ الْوُصُولِ إِلَى حَالَةٍ مِنْ الْعِبَادَةِ الْجَسَدِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ تَعُمُّ كِيَانَكَ كَتَعْبِيرٍ عَظِيمٍ، بَلْ تَعْبِيرٌ مَهِيبٌ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ لِأَنَّكَ تُدْرِكُ وَتَفْهَمُ مَنْ هُوَ.

— ق. بابلو توريس

الْآنَ وَبَعْدَ أَنْ حَدَّدْنَا ثَلَاثَةَ أَهْدَافٍ أَسَاسِيَّةٍ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ يَنْبَغِي أَنْ نُعَلِّقَ عَلَى الِاعْتِمَادِ الْمُتَبَادَلِ بَيْنَهَا. وَيُعَدُّ هَذَا الِاعْتِمَادُ الْمُتَبَادَلُ سَبَبًا مُهِمًّا لِعَدَمِ قُدْرَتِنَا عَلَى تَجَاهُلِ أَيٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَهْدَافِ. إِنَّهَا فِي الْوَاقِعِ مُتَشَابِكَةٌ إِلَى حَدِّ أَنَّنَا لَيْسَ بِمَقْدُورِنَا أَنْ نَكُونَ أَقْوِيَاءَ فِي دَائِرَةٍ مِنْهَا دُونَ الْأُخْرَيَيْنِ.

سَنَنْظُرُ فِي هَذَا الِاعْتِمَادِ الْمُتَبَادَلِ بِثَلَاثِ طُرُقٍ: أَوَّلًا، سَنَرَى بَعْضَ الطُّرُقِ الَّتِي تُؤَثِّرُ بِهَا الْأُرْثُوذُكْسِيَّةُ عَلَى الْهَدَفَيْنِ الْآخَرَيْنِ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ. ثُمَّ سَنُلَاحِظُ كَيْفَ يُؤَثِّرُ الْأُرْثُوبِرَاكْسِيس عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ وَالْأُرْثُوبَاثُوس. وَثَالِثًا، سَنُفَكِّرُ فِي كَيْفَ يُؤَثِّرُ الْأُرْثُوبَاثُوسْ عَلَى الْأُرْثُوبِرَاكْسِيسْ وَالْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ. دَعُونَا نَنْظُرُ أَوَّلًا إلى الطُّرُقِ الَّتِي تُؤَثِّرُ بِهَا الْأُرْثُوذُكْسِيَّةُ، أَوْ التَّفْكِيرُ الصَّحِيحُ، عَلَى سُلُوكِيَّاتِنَا وَعَوَاطِفِنَا.

يَعْتَقِدُ مُعْظَمُ الْإِنْجِيلِيِّينَ الْيَوْمَ عَلَى نَحْوٍ صَحِيحٍ أَنَّ قَدْرًا مَا مِنْ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ ضَرُورِيٌّ لِحُدُوثِ الْأُرْثُوبِرَاكْسِيس وَالْأُرْثُوبَاثُوس. فَنَحْنُ نَتَعَلَّمُ مِنْ لَاهُوتِيِّينَ أَكَادِيمِيِّينَ وَمَحْبُوبِينَ كَثِيرِينَ أَنَّنَا يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَ الْحَقَّ أَوَّلًا، وَبَعْدَهَا نُطَبِّقُهُ عَلَى حَيَاتِنَا. لِذَا فَإِنَّهُ مِنْ الشَّائِعِ جِدًّا أَنْ يَتَعَامَلَ الْمَسِيحِيُّونَ بِمَنْظُورٍ وَاضِحٍ وَمُبَاشِرٍ، إِلَى حَدٍّ مَا، مع هَذِهِ الْأُمُورِ يَقُولُ: "يُحَدِّدُ اعْتِقَادِي شَكْلَ حَيَاتِي". وَهَذَا صَحِيحٌ بِالتَّأْكِيدِ، فَمَا نَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ، يُؤَثِّرُ بِعُمْقٍ فِي سُلُوكِيَّاتِنَا وَعَوَاطِفِنَا.

فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، ومَعَ تَطَوُّرِ أُرْثُوذُكْسِيَّتِنَا، مَا نَتَوَصَّلُ إِلَيْهِ مِنْ مُعْتَقَدَاتٍ سَوْفَ يُؤَكِّدُ سُلُوكِيَّاتِنَا وَعَوَاطِفَنَا. فَقَدْ تَكُونُ شَخْصًا يَمِيلُ بِطَبِيعَتِهِ إِلَى التَّعَاطُفِ مَعَ الْآخَرِينَ وَالتَّصَرُّفِ بِحَسَبِ هَذِهِ الْمَشَاعِرِ. وَبَيْنَمَا تَدْرُسُ الْمَفَاهِيمَ اللَّاهُوتِيَّةَ، مِثْلَ الْبَشَرِيَّةِ بِصِفَتِهَا صُورَةَ اللَّهِ، وَمِثْلَ لُطْفِ وَرَحْمَةِ اللَّهِ ذَاتِهِ، سَتَجِدُ أَنَّ تَعْمِيقَ أُرْثُوذُكْسِيَّتِكَ يُؤَكِّدُ وَيُعَزِّزُ سُلُوكِيَّاتِكَ وَعَوَاطِفَكَ.

إِلَّا أَنَّ الْمَفَاهِيمَ اللَّاهُوتِيَّةَ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةَ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ، غَالِبًا مَا تَتَحَدَّانَا لِنُغَيِّرَ سُلُوكِيَّاتِنَا وَمَشَاعِرِنَا. فَقَدْ تَكُونُ شَخْصًا يُصَارِعُ مَعَ الْأَنَانِيَّةِ وَالطَّمَعِ. أو لَا تَكْتَرِثُ لِلْفُقَرَاءِ، وَلَا تَفْعَلُ شَيْئًا لِلْمُسَاعَدَةِ فِي تَخْفِيفِ مُعَانَاتِهِمْ. وَبَيْنَمَا تُصْبِحُ مَفَاهِيمُكَ اللَّاهُوتِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَشَرِيَّةِ وَبِاَللَّهِ أُرْثُوذُكْسِيَّةً بِشَكْلٍ أَكْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، سَتَجِدُ أَنَّ تَغْيِيرَ سُلُوكِيَّاتِكَ وَعَوَاطِفَكَ مَسْأَلَةً ضَرُورِيَّةً. إِنَّ السَّعْيَ وَرَاءَ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ يُؤَثِّرُ عَلَى الْأُرْثُوبِرَاكْسِيس وَالْأُرْثُوبَاثُوس بِهَذِهِ الطُّرُقِ وَبِعَدَدٍ لَا يُحْصَى مِنْ الطُّرُقِ الْأُخْرَى.

إِنَّ الْمُعْتَقَدَاتِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةَ -أَيْ الْمُعْتَقَدَاتِ الصَّحِيحَةَ- تُؤَثِّرُ وَيَنْبَغِي أَنْ تُؤَثِّرَ عَلَى عَوَاطِفِنَا وَأَفْعَالِنَا وَحَيَاتِنَا، لِأَنَّ مَا نَعْتَقِدُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَظْهَرَ فِي حَيَاتِنَا. وَنَحْنُ مَدْعُوُّونَ، لَا لِكَيْ نَحْيَا لِنَتَغَيَّرَ عَنْ شَكْلِنَا فِي أَذْهَانِنَا فَقَطْ، وَلَكِنْ لِنَتَغَيَّرَ عَنْ شَكْلِنَا فِي عَوَاطِفِنَا أَيْضًا. وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَثِّرَ مَا نَعْتَقِدُهُ عَلَى حَيَاتِنَا. فَالْمَعْلُومَاتُ الَّتِي لَدَيْنَا مِنْ خِلَالِ مُعْتَقَدَاتِنَا، يَنْبَغِي بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَعَمَلِ الرُّوحِ الْقُدُسِ أَنْ تُغَيِّرَ شَكْلَنَا، وَتَعْبُرَ بِنَا فِي النِّهَايَةِ إِلَى الشَّكْلِ الَّذِي تَتَوَافَقُ فِيهِ عَوَاطِفُنَا بِالْحَقِيقَةِ مَعَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَتَتَوَافَقُ فِيهِ أَفْعَالُنَا أَيْضًا مَعَ مَشِيئَتِهِ الْمُعْلَنَةِ فِي كَلِمَةِ اللَّهِ. وَلَا يُمْكِنُ حُدُوثُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ خِلَالِ نِعْمَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُمْكِنَةِ.

— د. ديفيد صامويل

وَالْآنَ دَعُونَا نَنْتَقِلُ إِلَى طَرِيقَةٍ ثَانِيَةٍ نَرَى فِيهَا الِاعْتِمَادَ الْمُتَبَادَلَ بَيْنَ أَهْدَافِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ، وَهِيَ كَيْفَ يُؤَثِّرُ الْأُرْثُوبِرَاكْسِيس عَلَى الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ وَالْأُرْثُوبَاثُوس؟ كَيْفَ تُؤَثِّرُ سُلُوكِيَّاتُنَا عَلَى مُعْتَقَدَاتِنَا وَعَوَاطِفِنَا؟

بَادِئْ ذِي بَدْءٍ، إِنَّ الْأُرْثُوبِرَاكْسِيسْ غَالِبًا مَا تُؤَكِّدُ أَوْ تَتَحَدَّى مَا نَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ. فَكِّرْ مَثَلًا فِي مَا سَيَحْدُثُ عِنْدَمَا يَسْأَلُ طَلَبَةُ لَاهُوتٍ لَيْسَ لَدَيْهِمْ خِبْرَةٌ: "لِمَاذَا يَنْبَغِي عَلَى الْمَسِيحِيِّينَ أَنْ يُصَلُّوا؟"

عِنْدَمَا لَا يَكُونُ لَدَى الْمُؤْمِنِينَ خِبْرَةٌ كَبِيرَةٌ فِي اسْتِجَابَةِ اللَّهِ لِصَلَوَاتِهِمْ، نَجِدُهُمْ يُجِيبُونَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِشَيْءٍ مِثْلِ: "يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نُصَلِّيَ لِأَنَّ اللَّهَ أَوْصَى بِذَلِكَ". وَهَذِهِ الْإِجَابَةُ صَحِيحَةٌ إلَى حَدٍّ مَا. وَلَكِنَّنِي لَمْ أَسْمَعْ مُطْلَقًا مُحَارِبًا فِي الصَّلَاةِ -أَيْ شَخْصًا مَعْرُوفًا بِتَمَتُّعِهِ بِحَيَاةِ صَلَاةٍ مُمْتَدَّةٍ وَكَامِلَةِ النُّضُوجِ- يُجِيبُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ. صَحِيحٌ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يُعَلِّمُنَا أَنْ نُصَلِّيَ لِأَنَّنَا أُوصَينَا بِذَلِكَ. وَلَكِنَّ الِافْتِقَارَ إِلَى خِبْرَةِ الصَّلَاةِ، غَالِبًا مَا يُعِيقُنَا عَنْ رُؤْيَةِ الْكَثِيرِ مِنْ الدَّوَافِعِ الْكِتَابِيَّةِ الْأُخْرَى لِلصَّلَاةِ. وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ مُمَارَسَتَنَا لِلصَّلَاةِ تُؤَثِّرُ عَلَى فَهْمِنَا الصَّحِيحِ لِلصَّلَاةِ.

وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ أَكْثَرَ خِبْرَةً فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُمْ غَالِبًا مَا يَكُونُونَ قَادِرِينَ أَنْ يَرَوْا بِشَكْلٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يُقَدِّمُهَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ لَنَا كَيْ نُصَلِّيَ. فَنَحْنُ نُصَلِّي لِأَنَّ اللَّهَ مُسْتَحِقُّ لِصَلَوَاتِنَا. نُصَلِّي لِأَنَّنَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ. نُصَلِّي لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ يَعْقُوبُ فِي يَعْقُوبَ 5: 16:

طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا (يعقوب 5: 16).

يُنْتِجُ السُّلُوكُ الْبَارُّ وَاخْتِبَارُ الصَّلَاةِ الْبَصِيرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ فَقَطْ وَصِيَّةً، بَلْ إِنَّهَا أَيْضًا قَوِيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ. إِنَّ الِافْتِقَارَ إِلَى السُّلُوكِ التَّقِيِّ، يَسْلُبُنَا هَذِهِ الْمُعْتَقَدَاتِ اَللَّاهُوتِيَّةَ. أَمَّا اِخْتِبَارُ حَيَاةِ الْقَدَاسَةِ فَيَتَحَدَّى مُعْتَقَدَاتِنَا وَيُؤَكِّدُهَا وَيُعَزِّزُهَا بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ.

بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ أَفْعَالَنَا تُؤَثِّرُ أَيْضًا عَلَى الْأَبْعَادِ الْعَاطِفِيَّةِ لِلَاهُوَتِنَا. بِمَعْنَى أَنَّ الْأُرْثُوبَرَاكْسِيس يُؤَثِّرُ عَلَى الْأُرْثُوبَاثُوس. فَعَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، عِنْدَمَا يَرْتَكِبُ الْمُؤْمِنُونَ خَطَايَا خَطِيرَةً، فَإِنَّهُمْ غَالِبًا مَا يَمُرُّونَ بِتَجْرِبَةِ الشُّعُورِ بِالذَّنْبِ وَالْإِدَانَةِ. وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ عِنْدَمَا نَفْعَلُ مَا هُوَ صَوَابٌ، فَإِنَّنَا غَالِبًا مَا نَجِدُ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ النَّابِعَينِ مِنْ تَأْيِيدِ اللَّهِ وَبَرَكَتِهِ. وَنَعْلَمُ جَمِيعًا مِنْ خِلَالِ الْخِبْرَةِ الْعَامَّةِ، أَنَّ مَشَاعِرَ الْخِزْيِ وَالْحُزْنِ، وَالثِّقَةِ وَالْهُدُوءِ، وَالْفَرَحِ وَالْإِثَارَةِ غَالِبًا مَا تَنْبُعُ مِنْ سُلُوكِيَّاتِنَا.

حَدَثَتْ أَزْمَةٌ مُؤَخَّرًا فِي مُؤَسَّسَةٍ أَتَوَلَّى رِئَاسَةَ مَجْلِسِ إِدَارَتِهَا. حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ بَعْضُ الْأَشْخَاصِ الْقَادِمِينَ مِنْ خَارِجِ الْمُؤَسَّسَةِ، وَخَاصَّةً مِنْ دِيَانَاتٍ أُخْرَى، وَيُحَاوِلُونَ إِثَارَةَ الْمُشْكِلاَتِ فِي الْمُؤَسَّسَةِ. لِذَا فَقَدَ كَانَ هُنَاكَ خِيَارٌ أَمَامَنَا أَنْ نَدْخُلَ بِالْفِعْلِ فِي مُسَاوَمَةٍ مَعَهُمْ، إِلَّا أَنَّنَا وَقَفْنَا رَاسِخِينَ وَقَرَّرْنَا أَنَّنَا سَنَفْعَلُ الصَّوَابَ وَلَنْ نُسَاوِمَ بَحْثًا عَنْ سَلَامٍ زَائِفٍ. وَقَدْ كَرَّمَ اللَّهُ مَوْقِفَنَا مِنْ أَجْلِهِ وَنَجَّانَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءِ جَمِيعِهِمْ، وَقَدْ أَدَّى ذَلِكَ حَقًّا إلَى فَرَحٍ عَظِيمٍ بَعَثَ بِالنَّشَاطِ فِي جَمِيعِ الْعَامِلِينَ فِي الْمُؤَسَّسَةِ.

— د. ديفيد صامويل

كَمَا رَأَيْنَا، تُؤَثِّرُ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةُ، أو اعْتِنَاقُ مَفَاهِيمَ لَاهُوتِيَّةٍ صحيحةٍ، عَلَى مَا نَفْعَلُهُ وَنَشْعُرُ بِهِ. وَيُؤَثِّرُ الْأُرْثُوبَرَاكْسِيس، أو السُّلُوكُ كَمَا يَقْتَضِي الْحَقُّ، عَلَى مَا نَشْعُرُ بِهِ وَنَعْتَقِدُهُ. وَالْآنَ دَعُونَا نُلْقِي نَظْرَةً أُخْرَى عَلَى الْاعْتِمَادِ الْمُتَبَادَلِ بَيْنَ أَهْدَافِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ: كَيْفَ تُؤَثِّرُ الْأُرْثُوبَاثُوس لَدَيْنَا، أي عَوَاطِفُنَا الصَّحِيحَةُ وَتوجُهاتُنَا الصَّحِيحَةُ، عَلَى مَا نَعْتَقِدُهُ وَنَفْعَلُهُ؟

أَعْتَقِدُ أَنَّ الْجَمِيعَ يَفْهَمُ مِنْ خِلَالِ الْخِبْرَةِ الْيَوْمِيَّةِ أَنَّ الطَّرِيقَةَ الَّتِي نُفَكِّرُ بِهَا فِي الْأُمُورِ تُؤَثِّرُ عَلَى عَوَاطِفِنَا. وَنَفْهَمُ أَيْضًا أَنَّنَا عِنْدَمَا نَفْعَلُ أُمُورًا مُعَيَّنَةً، يَكُونُ لِذَلِكَ أَيْضًا تَأْثِيرٌ عَاطِفِيٌّ. إِلَّا أَنَّنَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لَا نَضَعُ فِي اعْتِبَارِنَا مِقْدَارَ تَأْثِيرِ الْعَوَاطِفِ فِي الِاتِّجَاهِ الْمُعَاكِسِ عَلَى طَرِيقَةِ تَفْكِيرِنَا وَطَرِيقَةِ سُلُوكِنَا. وَمِنْ الْمُهِمِّ جِدًّا عِنْدَ مُمَارَسَةِ اللَّاهُوتِ الْمَسِيحِيِّ، أَنْ تَضَعَ فِي اعْتِبَارِكَ أَيْضًا هَذَا الِاتِّجَاهَ مِنْ التَّأْثِيرِ. فَكِّرْ فِي الْأَمْرِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ: إِنَّكَ عِنْدَمَا تَكُونُ مُحْبَطًا، لَا يَكُونُ لَدَيْكَ دَافِعٌ كَبِيرٌ لِلتَّعَمُّقِ فِي أَفْكَارٍ مُعَقَّدَةٍ. وَبِذَلِكَ تُؤَثِّرُ عَوَاطِفُكَ عَلَى طَرِيقَةِ تَفْكِيرِكَ فِي الْأُمُورِ. أَوْ يُمْكِنُنَا التَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِهَذَا الشَّكْلِ: الْأُرْثُوبَاثُوس الخَاصّ بكَ، أَوْ بِالْحُرِّيِّ الْبَاثُوس (عَاطِفَتُكَ)، تُؤَثِّرُ عَلَى أُرْثُوذُكْسِيَّتِكَ. وَلَكِنْ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، إِذَا كُنْتَ تَشْعُرُ بِالْحَمَاسَةِ وَالتَّفَاؤُلِ فِي مَوْقِفٍ مَا، تَجِدُ نَفْسَكَ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِلتَّعَامُلِ مَعَ كُلِّ أَنْوَاعِ الْمُشْكِلَاتِ وَالْقَضَايَا وَالْمُعْتَقَدَاتِ الْفِكْرِيَّةِ. وَهَكَذَا فَإِنَّ عَوَاطِفَكَ مَرَّةً أُخْرَى تُؤَثِّرُ عَلَى طَرِيقَةِ تَفْكِيرِكَ. يُعَدُّ هَذَا أَمْرًا بَالِغَ الْأَهَمِّيَّةِ، وَيَعْرِفُ كُلُّ مُعَلِّمٍ ذَلِكَ. أَنَّ أَحَدَ اَلْأُمُورِ اَلْحَاسِمَةِ فِي عَمَلِيَّةِ اَلتَّدْرِيسِ هُوَ اَلدَّافِعُ أَوْ اَلْعَوَاطِفُ لَدَى اَلطَّالِبِ، وَكَيْفَ يُؤَثِّرُ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقَةِ تَفْكِيرِهِ، وَحَتَّى عَلَى طَرِيقَةِ تَعَلُّمِهِ لِلْأَشْيَاءِ. وَيَنْطَبِقُ هَذَا الْأَمْرُ عَلَى كُلِّ اللَّاهُوتِ الْمَسِيحِيِّ. تُؤَثِّرُ الْعَوَاطِفُ أَيْضًا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ عَلَى أَفْعَالِنَا. فَعِنْدَمَا نَشْعُرُ بِالْحَيْرَةِ الشَّدِيدَةِ يَصْعُبُ عَلَيْنَا فِعْلُ الصَّوَابِ. نَعَمْ، إِنَّ الْأَمْرَ بِهَذِهِ الْبَسَاطَةِ. إِنَّهُ بِالْأَمْرِ الصَّحِيحِ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسِيحِيِّينَ فِي مُمَارَسَتِهِمْ اللَّاهُوتَ الْمَسِيحِيَّ، أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا يَشْعُرُونَ بِالتَّعَبِ وَالْحَيْرَةِ وَالْإِحْبَاطِ عِنْدَمَا يَبْدَأُونَ فِي اسْتِخْرَاجِ تَطْبِيقَاتِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ عَلَى الْأُرْثُوبِرَاكْسِيس خَاصَّتِهِمْ، أَيْ طَرِيقَةِ حَيَاتِهِمْ وَطَرِيقَةِ سُلُوكِهِمْ، فَلَنْ يَكُونَ لَدَيْهِمْ الطَّاقَةُ لِفِعْلِ الصَّوَابِ. وَلَكِنَّ الْوَجْهَ الْآخَرَ لِذَلِكَ هُوَ أَنَّهُ إِذَا كُنْتَ تَشْعُرُ بِالْحَمَاسَةِ، وَحَدَثَ شَيْءٌ مَا جَعَلَكَ تَشْعُرُ أَنَّكَ عَلَى مَا يُرَامُ وَلَدَيْكَ الْقُوَّةُ، سَتَجِدُ أَنَّكَ سَتَفْعَلُ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْكَ فِعْلُهُ بِاسْتِعْدَادٍ أَكْبَرَ. أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا مُهِمٌّ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لَنَا لِأَنَّهُ حَتَّى فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ عِنْدَمَا يَدْعُو الرَّبُّ شَعْبَهُ إِلَى طَاعَتِهِ، فَإِنَّهُ غَالِبًا مَا يَمْنَحُهُمْ دَوَافِعَ تُفَسِّرُ لِمَاذَا يَنْبَغِي عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ. فَيَدْعُوهُمْ الرَّبُّ إلَى أَنْ يَفْرَحُوا وَإِلَى أَنْ يَتَأَمَّلُوا الْأَشْيَاءَ الْجَيِّدَةَ الَّتِي حَدَثَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ الْأَشْيَاءَ السَّيِّئَةَ الَّتِي حَدَثَتْ مِنْ قَبْلُ؛ وَمِنْ ثَمَّ يَقُودُهُمْ هَذَا التَّأْثِيرُ الْعَاطِفِيُّ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ إِدْرَاكَنَا أَنَّ عَوَاطِفَنَا تُؤَثِّرُ عَلَى طَرِيقَةِ تَفْكِيرِنَا وَطَرِيقَةِ سُلُوكِنَا هُوَ أَمْرٌ لَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً أَبَدًا عَنْ إِدْرَاكِنَا أَنَّ عَوَاطِفَنَا تَتَأَثَّرُ بِطَرِيقَةِ تَفْكِيرِنَا وَطَرِيقَةِ تَصَرُّفِنَا. تُعَدُّ هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ جَمِيعُهَا إِذًا مِحْوَرِيَّةً لِعَمَلِيَّةِ دِرَاسَةِ اللَّاهُوتِ الْمَسِيحِيِّ.

— د. ريتشارد برات

نَجِدُ بَعْضًا مِنْ أَفْضَلِ الْأَمْثِلَةِ لِلْأُرْثُوبَاثُوس فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ. فَقَدْ حَرَّكَتْ عَوَاطِفُ كُتَّابِ الْمَزَامِيرِ مِرَارًا وَتَكْرَارًا تَفْكِيرَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى. عِنْدَمَا شَعَرَ كَاتِبُ الْمَزْمُورِ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ بِأَنَّهُ مَتْرُوكٌ، رَكَّزَتْ تَعْبِيرَاتُهُ عَنْ التَّفْكِيرِ الْأُرْثُوذُكْسِيِّ فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ عَلَى التَّجَارِبِ الَّتِي خَضَعَ لَهَا، وَكَيْفَ كَانَ إِيمَانُهُ بِاللّهِ أَحَدَ الْعَوَامِلِ الْمُسَبِّبَةِ لِهَذِهِ الْمُعَانَاة. اِسْتَمِعْ إِلَى الْمَزْمُورِ 13: 1-13 وَالطَّرِيقَةِ الَّتِي دَفَعَ بِهَا حُزْنُ كَاتِبِ الْمَزْمُورِ إلَى أَنْ يَسْأَلَ أَسْئِلَةً لَاهُوتِيَّةً مُحَيَّرَةً، مُتَضَرِّعًا:

إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ ٱلنِّسْيَانِ؟ إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي؟ ... انْظُرْ وَٱسْتَجِبْ لِي يَا رَبُّ إِلَهِي (مزمور 13: 1-13).

وَبِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ تَقْرِيبًا، أَثَّرَتْ عَوَاطِفُ كُتَّابِ الْمَزَامِيرِ أَيْضًا عَلَى أَفْعَالِهِمْ. فَعِنْدَ شُعُورِهِمْ بِالْبُؤْسِ، لَمْ يَبْقَوْا سَلْبِيِّينَ فِي حَالَةٍ مِنْ السُّكُونِ وَالْهُدُوءِ، وَإِنَّمَا بَكَوْا بِغَزَارَةٍ، بَلْ وَمَرِضُوا. وَكَمَا يُعَبِّرُ كَاتِبُ الْمَزْمُورِ فِي الْمَزْمُورِ 6:6:

تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي (مزمور 6: 6).

وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ عِنْدَمَا شَعَرَ كُتَّابُ الْمَزَامِيرِ بِالْفَرَحِ أَظْهَرُوا هَذَا الشُّعُورَ فِي سُلُوكِيَّاتِ اَلرَّقْصِ وَالتَّسْبِيحِ. كَمَا نَقْرَأُ فِي الْمَزْمُورِ 30: 11:

حَوَّلْتَ نَوْحِي إِلَى رَقْصٍ لِي. حَلَلْتَ مِسْحِي وَمَنْطَقْتَنِي فَرَحًا (مزمور 30: 11).

لَنْ يَكُونَ اللَّاهُوتُ الْجَيِّدُ مُهْتَمًّا فَقَطْ بِالْعَمَلِ الْفِكْرِيِّ لِلْإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ أَوْ بِالْعَمَلِ الْخَارِجِيِّ لِلْإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ فِي أَفْعَالِنَا، لَكِنَّهُ سَيَكُونُ مُهْتَمًّا أَيْضًا بِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَحْيَانًا الْأُرْثُوبَاثُوس، أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، رَدَّ فِعْلَنَا اَلْعَاطِفِيَّ عَلَى حَقِّ كَلِمَةِ اَللَّهِ. وَأَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ اَلْمُهِمِّ أَلَّا يَظَلَّ الْحَقُّ فَقَطْ عَلَى اَلْمُسْتَوَى اَلْمَعْرِفِيِّ وَالْفِكْرِيِّ، لِأَنَّ هَذَا الْحَقَّ يُؤَثِّرُ عَلَى هُوِيَّتِنَا كَبَشَرٍ. وَأَيُّ شَيْءٍ بِالْحَقِّ نُحِبُّهُ أَوْ نُؤْمِنُ بِهِ، يُثِيرُ فِينَا عَوَاطِفَ وَمُيُولاً وَرَغَبَاتٍ وَمَشَاعِرَ. وَيُشَكِّلُ هَذَا النَّوْعُ مِنْ جَانِبِ "اَلْبَاثُوس (أَوْ اَلْعَاطِفَةِ)" فِي بَشَرِيَّتِنَا جُزْءًا مِنْ اَلْعَمَلِ اَلْحَقِيقِيِّ اَلتَّامِّ لِرُوحِ اَللَّهِ عِنْدَمَا نَكُونُ قَدْ فَهِمْنَا جَيِّدًا حَقَّ اَللَّهِ.

— سايمن فايبرت

يَعْنِي كُلُّ هَذَا أَنَّ أَهْدَافَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ اَلثَّلَاثَةَ اَلْمُتَمَثِّلَةَ فِي اَلْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ والْأُرْثُوبَرَاكْسِيس وَالْأُرْثُوبَاثُوس لَا تَعْمَلُ بِمَعْزِلٍ عَنْ بَعْضِهَا الْبَعْضِ. بَلْ تَتَمَتَّعُ بِقَدْرٍ كَبِيرٍ مِنْ الِاعْتِمَادِ الْمُتَبَادَلِ. وَبَيْنَمَا نَبْنِي فِكْرَنَا اللَّاهُوتِيَّ، يَجِبُ أَنْ نَضَعَ فِي اعْتِبَارِنَا دَائِمًا أَنَّ مَا نَعْتَقِدُهُ يُؤَثِّرُ عَلَى أَفْعَالِنَا وَمَوَاقِفِنَا. وَأَنَّ مُمَارَسَاتِنَا تُؤَثِّرُ عَلَى مُعْتَقَدَاتِنَا وَعَوَاطِفِنَا. وَأَنَّ عَوَاطِفَنَا كَذَلِكَ تُؤَثِّرُ عَلَى مُعْتَقَدَاتِنَا وَأَفْعَالِنَا.

إِنَّ فَهْمَ الِاعْتِمَادِ الْمُتَبَادَلِ بَيْنَ الْأَهْدَافِ الْأَسَاسِيَّةِ الثَّلَاثَةِ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ يُثِيرُ قَضِيَّةً حَرِجَةً، وَهِيَ: مَا هِيَ الْأَوْلَوِيَّاتُ الَّتِي يَنْبَغِي عَلَيْنَا مُرَاعَاتُهَا وَنَحْنُ نَسْعَى لِتَحْقِيقِ أَهْدَافِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ؟ هَلْ يَنْبَغِي أَنْ نُرَكِّزَ أَكْثَرَ عَلَى الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ أَمْ عَلَى الْأُرْثُوبِرَاكْسِيس أَمْ عَلَى الْأُرْثُوبَاثُوس؟

نَعْلَمُ جَمِيعًا أَنَّ الْمَسِيحِيِّينَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا مُخْتَلِفِينَ جِدًّا عَنْ بَعْضِهِمْ الْبَعْضِ فِي نَوَاحٍ كَثِيرَةٍ. وَتَنْشَأُ بَعْضُ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ مِنْ الشَّخْصِيَّاتِ الَّتِي حَبَانَا اللَّهُ إِيَّاهَا. بَيْنَمَا تَنْتِجُ اخْتِلَافَاتٌ أُخْرَى عَنْ ظُرُوفِنَا الْمُتَنَوِّعَةِ. وَيَنْبُعُ الْبَعْضُ الْآخَرُ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ مِنْ الْعَمَلِ الْفَائِقِ لِلطَّبِيعَةِ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ دَاخِلَنَا. لَقَدْ صَمَّمَ اللَّهُ جَسَدَ الْمَسِيحِ لِيَكُونَ مُتَنَوِّعًا بِهَذِهِ الطُّرُقِ وَبِالْكَثِيرِ مِنْ الطُّرُقِ الْأُخْرَى. وَمِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُؤَثِّرَ شَخْصِيَّاتُنَا الْمُتَنَوِّعَةُ أَوْ ظُرُوفُنَا الْمُخْتَلِفَةُ أَوْ الْعَمَلُ الْخَاصُّ لِرُوحِ اللَّهِ دَاخِلِنَا، عَلَى كَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِنَا لِأَهْدَافِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ الْأَسَاسِيَّةِ الثَّلَاثَةِ مِنْ حَيْثُ الْأَوْلَوِيَّةُ. فَلَا عَجَبَ أَنَّنَا جَمِيعًا نَمِيلُ إِلَى تَفْضِيلِ هَدَفٍ أَوْ هَدَفَيْنِ عَنْ بَاقِي اَلْأَهْدَافِ. وَلَكِنْ هَلْ هُنَاكَ مَجْمُوعَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ الْأَوْلَوِيَّاتِ يَنْبَغِي عَلَى كُلِّ مَسِيحِيٍّ اتِّبَاعُهَا؟ هَلْ هُنَاكَ طَرِيقَةٌ صَحِيحَةٌ لِمُقَارَبَةِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ، وَالْأُرْثُوبَرَاكْسِيس، وَالْأُرْثُوبَاثُوس؟

لَدَى الْكَثِيرِ مِنْ الْإِنْجِيلِيِّينَ إِجَابَةٌ بَسِيطَةٌ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ. فَهُمْ يُصِرُّونَ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي دَائِمًا أَنْ تَأْتِيَ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةُ فِي الْمَرْكَزِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ الْأُرْثُوبِرَاكْسِيس فِي الْمَرْكَزِ الثَّانِي، وَبَعْدَ ذَلِكَ الْأُرْثُوبَاثُوس فِي الْمَرْكَزِ الثَّالِثِ. وَمِثْلَمَا نَسْمَعُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْيَانِ: "فَكِّرْ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ افْعَلْ مَا هُوَ صَحِيحٌ، وَبَعْدَهَا سَتَشْعُرُ بِمَا هُوَ صَحِيحٌ".

صحيح، أَنَّ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةَ يُمْكِنُ أَنْ تَقُودَ إِلَى الْأُرْثُوبِرَاكْسِيس، وَالْأُرْثُوبِرَاكْسِيس بِدَوْرِهَا يُمْكِنُ أَنْ تَقُودَ إِلَى الْأُرْثُوبَاثُوس. وَلَكِنْ عِنْدَمَا نَتَّبِعُ هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّاتِ طِيلَةَ الْوَقْتِ تَبْدَأُ مُشْكِلَةٌ مَا فِي الظُّهُورِ. فَمَا يَحْدُثُ فِي الْكَثِيرِ جِدًّا مِنْ الْأَحْيَانِ هُوَ أَنَّنَا لَا نَتَجَاوَزُ أَبَدًا الْخُطْوَةَ الْأُولَى. إِذْ إِنَّنَا نُرَكِّزُ عَلَى الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ إِلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي نُهْمِلُ فِيهَا لَاهُوتَ أَفْعَالِنَا وَلَاهُوتَ عَاطِفَتِنَا. أَوْ فِي أَفْضَلِ الْأَحْوَالِ نَعْتَبِرُ هَذَيْنِ الْهَدَفَيْنِ الْآخَرَيْنِ ثَانَوِيَّيْنِ. وَلَكِنْ بِسَبَبِ الِاعْتِمَادِ اَلْمُتَبَادَلِ بَيْنَ هَذِهِ اَلْأَهْدَافِ وَبَعْضِهَا، فَإِنَّ مَا يَحْدُثُ عِنْدَمَا نُولِي سُلُوكِيَّاتِنَا وَعَوَاطِفَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الِاهْتِمَامِ هُوَ أَنَّنَا مَعَ الْأَسَفِ نُضْعِفُ أَيْضًا أُرْثُوذُكْسِيَّتَنَا.

تَتَرَابُطُ الْأَفْكَارُ وَالْأَفْعَالُ وَالْعَوَاطِفُ فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ مَعَ بَعْضِهَا الْبَعْضِ مِثْلَ الْأَجْهِزَةِ الْحَيَوِيَّةِ فِي جِسْمِ الْإِنْسَانِ. فَإِنَّ أَجْسَامَنَا تَحْتَوِي عَلَى عَدَدٍ مِنْ اَلْأَجْهِزَةِ اَلْحَيَوِيَّةِ، مِثْلِ: اَلْجِهَازِ اَلْعَصَبِيِّ اَلْمَرْكَزِيِّ، اَلْجِهَازِ اَلْهَضْمِيِّ، اَلْجِهَازِ اَلدَّوْرِيِّ، وَغَيْرِهَا. تُرَى، أَيٌّ مِنْ هَذِهِ اَلْأَجْهِزَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ اَلْأَوْلَوِيَّةَ؟ مَا هُوَ اَلتَّرْتِيبُ اَلْمُنَاسِبُ لِإِدَارَةِ اَلتَّرَابُطِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ وَبَعْضِهَا الْبَعْضِ؟ قَدْ نُفَكِّرُ فِي كَيْفِيَّةِ تَأْثِيرِ الْجِهَازِ الْعَصَبِيِّ عَلَى الْجِهَازِ الْهَضْمِيِّ، وَلَكِنْ قَدْ نُفَكِّرُ أَيْضًا فِي كَيْفِيَّةِ تَأْثِيرِ الْجِهَازِ الْهَضْمِيِّ عَلَى الْجِهَازِ الْعَصَبِيِّ. فَهُنَاكَ الْكَثِيرُ مِنْ الطُّرُقِ الْمَشْرُوعَةِ وَالنَّافِعَةِ نَسْتَطِيعُ مِنْ خِلَالِهَا أَنْ نَشُقَّ طَرِيقَنَا فِي التَّعَامُلِ مَعَ التَّرَابُطِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ وَبَعْضِهَا الْبَعْضِ.

وَعَلَى نَفْسِ النَّحْوِ تَقْرِيبًا، قَدْ رَأَيْنَا أَنَّ مَسَاعِيَنَا نَحْوَ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ وَنَحْوَ الْأُرْثُوبِرَاكْسِيس وَنَحْوَ الْأُرْثُوبَاثُوس تُشَكِّلُ شَبَكَاتٍ مِنْ التَّبَادُلَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ. مِمَّا يَعْنِي أَنَّهُمْ جَمِيعًا يُؤَثِّرُونَ عَلَى بَعْضِهِمْ الْبَعْضِ بِعَدَدٍ لَا يُحْصَى مِنْ الطُّرُقِ. وَبَدَلًا مِنْ أَنْ تَكُونَ الْعَلَاقَاتُ بَيْنَهُمْ مُجَرَّدَ عَلَاقَاتٍ تَتَشَكَّلُ مِنْ خَطٍّ وَاحِدٍ مُسْتَقِيمٍ، فَهِيَ عَلَاقَاتٌ مُتَعَدِّدَةُ الْخُطُوطِ أَوْ تَبَادُلِيَّةٌ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُعَيِّنَ أَوْلَوِيَّةً وَاحِدَةً طَوَالَ الْوَقْتِ. لَيْسَ خَطَأً أَنَّنَا يَنْبَغِي أَنْ نُفَكِّرَ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نَفْعَلَ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ وَمِنْ ثَمَّ نَشْعُرُ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ، وَلَكِنْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَ الشَّيْءَ الصَّحِيحَ حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نُفَكِّرَ بِالطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ وَنَشْعُرَ بِالطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ. بَلْ وَفِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ الْأُخْرَى أَيْضًا يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَشْعُرَ بِالطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ، حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نُفَكِّرَ وَأَنْ نَفْعَلَ عَلَى نَحْوٍ صَحِيحٍ. فَالرُّوحُ الْقُدُسُ يَقُودُ شَعْبَهُ نَحْوَ أَهْدَافِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ بِالْكَثِيرِ مِنْ الطُّرُقِ الْمُتَبَايِنَةِ.

يُمْكِنُنِي أَنْ أَقُولَ إِنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ وَالْأُرْثُوبِرَاكْسِيس وَالْأُرْثُوبَاثُوس تُمَثِّلُ جَوْهَرَ الْفَهْمِ الْمَسِيحِيِّ لِلشَّخْصِ وَلِلْفِدَاءِ وَلِمُشَابَهَةِ صُورَةِ الْمَسِيحِ... تَجْتَمِعُ مُعْتَقَدَاتُنَا وَأَفْعَالُنَا وَرَغَبَاتُنَا جَمِيعَهَا مَعًا وَتَعْمَلُ كَوَحْدَةٍ وَاحِدَةٍ كَعَلَامَةٍ عَلَى اسْتِرْدَادِنَا وَفِدَائِنَا وَكَعُنْصُرٍ مِنْ عَنَاصِرِهِمَا. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا مَا يَفْهَمُهُ بُولُسُ بِاعْتِبَارِهِ هَدَفًا وَنِتَاجًا أَسَاسِيَّيْنِ لِلْإِنْجِيلِ. أَنَّنَا نَحْنُ الْأَشْخَاصُ الَّذِينَ يَتَحَرَّرُونَ فِعْلِيًّا مِنْ خِلَالِ مَحَبَّةِ اللَّهِ كَيْ يُطِيعُونَ اللَّهَ وَيُحِبُّونَ الْآخَرِينَ وَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ الْقَلْبِ، وَهَذَا عَيْنُهُ مَا أَوْصَى بِهِ الرَّبُّ يَسُوعُ فِي الْمَوْعِظَةِ عَلَى الْجَبَلِ. فَكَمَا تَعْلَمُونَ، يَقُولُ الرَّبُّ يَسُوعُ: "يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِرُّكُمْ أَفْضَلَ مِنْ بِرِّ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِيسِيِّينَ". مِمَّا يَعْنِي أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ تَفْعَلُوا الْأَشْيَاءَ الصَّحِيحَةَ، وَلَكِنْ لَا تَفْعَلُوهَا لِدَوَافِعَ نَامُوسِيَّةٍ رِيَائِيَّةٍ، بَلْ افْعَلُوهَا مِنْ الْقَلْبِ. إِذًا، يَرَى الرَّبُّ يَسُوعُ ذَلِكَ كالثَّمَرَة الْأَسَاسِيَّة للِإِنْجِيلِ وماهيّة الْخَلَاصُ، وما يُحْضِرُهُ لِبَشَرِيَّتِنَا.

— د. جيف دريدن

كَيْفَ نُقَرِّرُ إِذًا مَاذَا نَفْعَلُ؟ كَيْفَ نُقَرِّرُ مَا إِذَا كَانَ عَلَيْنَا التَّشْدِيدُ عَلَى التَّفْكِيرِ الصَّحِيحِ، أَمْ عَلَى الْفِعْلِ الصَّحِيحِ، أَمْ عَلَى الشُّعُورِ الصَّحِيحِ؟ الْجَوَابُ هُوَ أَنَّنَا يَجِبُ أَنْ نَتَمَتَّعَ بِالْحِكْمَةِ لِإِعْطَاءِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَالتَّرْكِيزِ على أَهْدَافِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ، الَّتِي نَحْنُ فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا فِي أَيِّ مَوْقِفٍ مُعَيَّنٍ.

مِنْ الْمُفِيدِ مِنْ نَوَاحٍ كَثِيرَةٍ، أَنْ نُفَكِّرَ فِي تَحْقِيقِ التَّوَازُنِ بَيْنَ أَهْدَافِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ كَمَا لَوْ أَنَّنَا نُحَافِظُ عَلَى تَوَازُنِنَا عَلَى سَطْحِ سَفِينَةٍ مُتَأَرْجِحَةٍ. وَلِأَنَّ سَطْحَ سَفِينَةِ الْحَيَاةِ فِي حَالَةِ تَبَدُّلٍ دَائِمٍ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّوَازُنُ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ تَزَامُنٍ لَحْظِيٍّ. فَلِلْوُقُوفِ عَلَى سَطْحٍ مُتَأَرْجِحٍ، يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُوَاصِلَ الْمَيْلَ تَارَةً إِلَى هَذِهِ الْجِهَةِ وَتَارَةً إِلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى. وَإِذَا فَشِلْنَا فِي التَّكَيُّفِ مَعَ احْتِيَاجَاتِ اللَّحْظَةِ سَوْفَ نَسْقُطُ بِالتَّأْكِيدِ فِي عُرْضِ الْبَحْرِ.

وَعَلَى نَفْسِ النَّحْو،ِ تَقْرِيبًا عَلَيْنَا أَنْ نَسْأَلَ أَنْفُسَنَا وَنَحْنُ نَبْنِي فِكْرَنَا اللَّاهُوتِيَّ عَنْ هَدَفِ اللَّاهُوتِ الَّذِي نَحْتَاجُ إِلَى التَّشْدِيدِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ: "مَا الْهَدَفُ اللَّاهُوتِيُّ الَّذِي أَحْتَاجُ إِلَى التَّشْدِيدِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ؟"، "مَا الَّذِي يُعَدُّ الْآخَرُونَ مِنْ حَوْلِي فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ الْآنَ؟"، "هَلْ يَنْبَغِي أَنْ أُعْطِيَ الْأَوْلَوِيَّةَ لِلتَّفْكِيرِ الصَّحِيحِ أَمْ لِلسُّلُوكِ الصَّحِيحِ أَمْ لِلْعَوَاطِفِ الصَّحِيحَةِ؟" "هَلْ يَنْبَغِي عَلَيَّ التَّشْدِيدُ عَلَى الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ أَمْ عَلَى الْأُرْثُوبْرَاكْسِيس أَمْ عَلَى الْأُرْثُوبَاثُوس؟" وَبَعْدَ ذَلِكَ نُرْسِي التَّوَجُّهَ الْمُلَائِمَ لِهَذَا الْوَقْتِ، وَنَسْعَى لِتَحْقِيقِ كُلِّ أَهْدَافِ اللَّاهُوتِ بِكُلِّ قُلُوبِنَا.

يُمْكِنُ أَنْ يُلْحَقَ بِنَا كَأَفْرَادٍ وَبِالْآخَرِينَ مِنْ حَوْلِنَا الْكَثِيرُ مِنْ الضَّرَرِ إِذَا لَمْ نَتَعَلَّمْ كَيْفِيَّةَ تَبْدِيلِ أَوْلَوِيَّاتِنَا. فَإِذَا كُنَّا نَسْعَى بِاسْتِمْرَارٍ وَرَاءَ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ بِاعْتِبَارِهَا عَلَى رَأْسِ أَوْلَوِيَّاتِنَا، فَإِنَّنَا نُهْمِلُ بِسُهُولَةٍ هَدَفَيْ عِلْمِ اللَّاهُوتِ الْآخَرَينِ، وَنَنْزَلِقُ فِي النَّزْعَةِ الْعَقْلَانِيَّةِ. وَإِذَا كُنَّا نُشَدِّدُ بِاسْتِمْرَارٍ عَلَى الْأُرْثُوبِرَاكْسِيس عَلَى حِسَابِ إِهْمَالِ هَدَفَيْ عِلْمِ اللَّاهُوتِ الْآخَرَينِ، فَإِنَّنَا نَسْقُطُ بِسُهُولَةٍ فِي النَّزْعَةِ النَّامُوسِيَّةِ. وَإِذَا كُنَّا نُشَدِّدُ دَائِمًا عَلَى الْأُرْثُوبَاثُوس عَلَى حِسَابِ إِهْمَالِ هَدَفَيْ عِلْمِ اللَّاهُوتِ الْآخَرَينِ، فَإِنَّنَا نَسْقُطُ بِسُهُولَةٍ فِي النَّزْعَةِ الْعَاطِفِيَّةِ. وَلَكِنْ تَعَلُّمُ كَيْفِيَّةَ تَحْقِيقِ التَّوَازُنِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَهْدَافِ حِينَ يَمِيلُ بِنَا سَطْحُ سَفِينَةِ الْحَيَاةِ إِلَى هَذَا الْجَانِبِ أَوْ إِلَى ذَاكَ الْجَانِبِ يُمْكِنُ أَنْ يُسَاعِدَنَا فِي تَجَنُّبِ هَذِهِ النَّزَعَاتِ الْمُتَطَرِّفَةِ. لِذَا يَحْتَاجُ كُلٌّ مِنَّا إِلَى أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ هَذَا السُّؤَالَ: "أَيٌّ مِنْ هَذِهِ النَّزَعَاتِ تُمَيِّزُ الطَّرِيقَةَ الَّتِي أُقَارِبُ بِهَا عِلْمَ اللَّاهُوتِ؟ هَلْ أَنَا مَيَّالٌ إِلَى النَّزْعَةِ الْعَقْلَانِيَّةِ؟ هَلْ أَنَا مَيَّالٌ إِلَى النَّزْعَةِ النَّامُوسِيَّةِ أَوْ إِلَى النَّزْعَةِ الْعَاطِفِيَّةِ، أَوْ إِلَى مَزِيجٍ مِنْ هَاتَيْنِ الِاثْنَتَيْنِ؟". أَيًّا كَانَتْ نَزَعَاتُنَا الطَّبِيعِيَّةُ، فَنَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ نَعْمَلَ بِجِدٍّ مِنْ أَجْلِ التَّرْكِيزِ عَلَى أَهْدَافِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ الَّتِي نَمِيلُ إِلَى تَجَاهُلِهَا. وَعِنْدَئِذٍ سَنَكُونُ قَادِرِينَ عَلَى بِنَاءِ فِكْرٍ لَاهُوتِيٍّ يَقُودُ إِلَى مَجْدِ اللَّهِ وَإِلَى اسْتِمْتَاعِنَا اللَّانِهَائِيِّ بِهِ.

أَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ الْمُهِمِّ أَنْ نَتَذَكَّرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنسانَ بِكَامِلِ كِيَانِهِ وَلَيْسَ فِكْرَهُ فَحَسْبُ. بَلْ خَلَقَ اللَّهُ الْبَشَرَ كَكَائِنَاتٍ عَاطِفِيَّةٍ، وَكَكَائِنَاتٍ مُفَكِّرَةٍ، وَكَكَائِنَاتٍ فَاعِلَةٍ. لِذَا عِنْدَمَا يُخْبِرُنَا الرَّبُّ يَسُوعُ أَنَّنَا يَجِبُ أَنْ نُحِبَّ الرَّبَّ الْإِلَهَ بِكُلِّ قَلْبِنَا وَفِكْرِنَا وَنَفْسِنَا وَقُدْرَتِنَا، يَعْنِي هَذَا بِكَامِلِ كِيَانِ الشَّخْصِ. وَأَعْتَقِدُ أَنَّ وَاحِدَةً مِنْ الطُّرُقِ لِتَجَنُّبِ التَّطَرُّفِ فِي إِحْدَى هَذِهِ الْمَنَاطِقِ، تَتَمَثَّلُ فِي السَّعْيِ إِلَى مَحَبَّةِ اَللَّهِ بِكُلِّ أَبْعَادِ اَلشَّخْصِ اَلْبَشَرِيِّ. لِذَا، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى، إِذَا كَانَ شَخْصٌ مَا عَاطَفِيًّا جِدًّا فِي مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ، فَإِنَّ هَذَا اَلشَّخْصَ بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ يَتَأَصَّلَ فِي التَّفْكِيرِ الْعَمِيقِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. فَفِي 1 كُورِنْثُوسَ ، وَالْإِصْحَاحِ 14 يُخْبِرُنَا اللَّهُ مِنْ خِلَالِ الرَّسُولِ بُولُسَ، أَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ إِلَهَ تَشْوِيشٍ أَوْ فَوْضَى بَلْ إلَهٌ سَلَامٍ. وَأَنَّهُ حَيْثُ يَسُودُ رُوحُ اللَّهِ يَكُونُ هُنَاكَ تَرْتِيبٌ فِي عِبَادَةِ الْكَنِيسَةِ. وَلِذَلِكَ أَعْتَقِدُ أَنَّ غِيَابَ ذَلِكَ، يَعْكِسُ أَنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ لَا تَعِيشُ بِمَا يُوَافِقُ إِعْلَانَ اللَّهِ، يَحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يَتَعَلَّمُوا، ثَمَّةَ حَاجَةٌ إِلَى أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ تَعَلُّمٌ وَنُمُوٌّ فِكْرِيَّانِ يُؤَدِّيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى تَعْبِيرٍ مُتَّزِنٍ: فَرَحٍ، عَاطِفَةٍ، شَغَفٍ، وَلَكِنَّهَا غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنْ السَّيْطَرَةِ أَوْ تَنْعَكِسُ فِي سُلُوكٍ خَارِجٍ عَنْ السَّيْطَرَةِ.

— د. روبرت بلامر

الْآنَ وَبَعْدَ أَنْ فَحَصْنَا تَعْرِيفَ اللَّاهُوتِ الْمَسِيحِيِّ وَأَهْدَافَهُ، يَنْبَغِي أَنْ نَنْتَقِلَ إِلَى قَضِيَّةٍ ثَالِثَةٍ، أَلَا وَهِيَ الْمَوْضُوعَاتُ أَوْ الْمَبَاحِثُ الَّتِي يَتَأَلَّفُ مِنْهَا عِلْمُ اللَّاهُوتِ كَمَجَالٍ رَسْمِيٍّ مِنْ مَجَالَاتِ الدِّرَاسَةِ.

إِنَّ تَعْرِيفَ شَخْصٍ مَا بِالْمَشْرُوعِ اللَّاهُوتِيِّ يُشْبِهُ تَعْرِيفَ شَخْصٍ مَا بِالْكَوْنِ الْفَسِيحِ. وَأَقَلُّ مَا يُقَالُ عَنْ هَذِهِ الْمُهِمَّةِ إِنَّهَا مُهِمَّةٌ رَهِيبَةٌ. لِذَلِكَ سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الدُّرُوسِ أَنْ نُضَيِّقَ دَائِرَةَ تَرْكِيزِنَا فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ لِتَقْتَصِرَ فَقَطْ عَلَى عَدَدٍ قَلِيلٍ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ.

وَلِكَيْ نَفْهَمَ الْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي سَتَكُونُ مَوْضُوعَ اهْتِمَامِنَا، سَنَتَطَرَّقُ إِلَى أَمْرَيْنِ: أَوَّلًا، اَلْخِيَارَاتُ الْكَثِيرَةُ الْمَطْرُوحَةُ أَمَامَ عُلَمَاءِ اللَّاهُوتِ. وَثَانِيًا، الِاخْتِيَارَاتُ اَلَّتِي سَنَقُومُ بِهَا فِي هَذِهِ اَلدُّرُوسِ. لِنَنْظُرَ أَوَّلًا إلى اَلْخِيَارَاتِ اَلَّتِي تَنْتَظِرُ أَيَّ شَخْصٍ يَخُوضُ مُغَامَرَةَ اَلدِّرَاسَةِ اَلرَّسْمِيَّةِ لِعِلْمِ اَللَّاهُوتِ.

عِنْدَمَا يَنْخَرِطُ النَّاسُ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي الْمَسْعَى الْجَادِّ الْخَاصِّ بِعِلْمِ اللَّاهُوتِ، فَغَالِبًا مَا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِمْ الدَّهْشَةُ بِسَبَبِ النِّطَاقِ الْوَاسِعِ لِهَذَا الْحَقْلِ الدِّرَاسِيِّ. فَمِنْ الشَّائِعِ التَّفْكِيرُ فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ بِاعْتِبَارِهِ حَقْلًا يُغَطِّي قَائِمَةً طَوِيلَةً مِنْ الْمَوَاضِيعِ. إِذْ إِنَّهُ عَلَى مَدَارِ أَلْفَيْ عَامٍ مِنْ الْإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ، أَصْبَحَ عَدَدٌ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ يَشْغَلُ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُوَلُّونَ عِلْمَ اللَّاهُوتِ الْكَثِيرَ مِنْ الِاهْتِمَامِ. وَتَخْتَلِفُ قَائِمَةُ الْمَوَاضِيعِ مِنْ طائفةٍ لأخرى. إِلَّا أَنَّهُ يُوجَدُ مَا يَكْفِي مِنْ أَوْجُهِ الشَّبَهِ لِيُمَكِّنَنَا مِنْ ذِكْرِ عَدَدٍ مِنْ اَلْفِئَاتِ اَللَّاهُوتِيَّةِ الرَّئِيسِيَّةِ.

يَشْتَمِلُ الْمَسْعَى الْخَاصُّ بِعِلْمِ اللَّاهُوتِ عَادَةً عَلَى بَعْضِ الْمَوْضُوعَاتِ الْعَمَلِيَّةِ نِسْبِيًّا، مِثْلَ:

الْإِرْسَالِيَّاتُ

الْكِرَازَةُ

الدِّفَاعِيَّاتُ، أَوْ الدِّفَاعُ عَنْ الْإِيمَانِ

الْعِبَادَةُ

خَدَمَاتُ الرَّحْمَةِ

الْمَشُورَةُ الرَّعَوِيَّةُ

عِلْمُ الْوَعْظِ

وَيَشْتَمِلُ كَذَلِكَ عَلَى مَنْظُومَةٍ ضَخْمَةٍ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ النَّظَرِيَّةِ أَوْ الْمُجَرَّدَةِ عَلَى نَحْوٍ أَكْبَرَ، مِثْلَ:

سُوتِيرِيُولُوچي— عَقِيدَةُ الْخَلَاصِ

إِكْلِيسْيُولُوچي — عَقِيدَةُ الْكَنِيسَةِ

أَنْثَرَپُولُوچِي — العَقِيدَةُ عن الْإِنْسَانِ

نُومَاتُولُوچي — العَقِيدَةُ عن الرُّوحِ الْقُدُسِ

كِرِيسْتُولُوچي — العَقِيدَةُ عن الْمَسِيحِ

اَللَّاهُوتُ اَلْأَصِيلُ — العَقِيدَةُ عن اَللَّهِ

إِسْخَاتُولُوچي — عَقِيدَةُ الْأَزْمِنَةِ الْأَخِيرَةِ

اَللَّاهُوتُ اَلْكِتَابِيُّ — اللَّاهُوتُ اَلْخَاصُّ بِتَارِيخِ الْفِدَاءِ الْمُسَجَّلِ فِي اَلْكِتَابِ اَلْمُقَدَّسِ

اللَّاهُوتُ النِّظَامِيُّ — التَّرْتِيبُ الْمَنْطِقِيُّ لِلتَّعْلِيمِ الْكِتَابِيِّ

اللَّاهُوتُ التَّارِيخِيُّ — تَتَبُّعُ تَطَوُّرِ الْعَقَائِدِ عَبْرَ تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ

هِيرِمِينْيُوتِيكس — عِلْمُ التَّفْسِيرِ

لَقَدْ رَكَّزَ اللَّاهُوتُ الْأَكَادِيمِيُّ التَّقْلِيدِيُّ، فِي مُعْظَمِ الْأَحْيَانِ، فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ، عَلَى هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ، أَوْ طَرِيقَةِ التَّفْكِيرِ الصَّحِيحَةِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ. إِذْ سَيُرَكِّزُ أَيٍّ مساق حول أي مِنْ هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ فِي أَيِّ مَعْهَدٍ مِنْ مَعَاهِدِ اللَّاهُوتِ عَلَى تَوْضِيحِ الْمَفَاهِيمِ، أَيْ التَّأَكُّدُ مِنْ أَنَّ الْجَمِيعَ يُفَكِّرُونَ عَلَى نَحْوٍ سَلِيمٍ. سَتُرَكِّزُ بَعْضُ الْفُصُولِ اللَّاهُوتِيَّةِ، فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، عَلَى تَعَلُّمِ الْمَهَارَاتِ. فَعَادَةً مَا تُولِي الْفُصُولُ الَّتِي تُرَكِّزُ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالْكِرَازَةِ وَالْمَشُورَةِ وَالْوَعْظِ قَدْرًا كَبِيرًا مِنْ الِاهْتِمَامِ لِلْمَهَارَاتِ أَوْ الْأُرْثُوبَرَاكْسِيس. إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الشَّائِعِ مَعَ الْأَسَفِ، أَنْ تُرَكِّزَ فُصُولُ اللَّاهُوتِ عَلَى الْأُرْثُوبَاثُوس، أَوْ عَلَى الْأَبْعَادِ الْعَاطِفِيَّةِ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ؛ حَتَّى فِي فَصْلِ عِلْمِ الْوَعْظِ. غَيْرَ أَنَّ مُقَارَبَةَ مَوْضُوعَاتِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ عَلَى نَحْوٍ أَكْثَرَ مُلَاءَمَةً يَتَطَلَّبُ، كَمَا تَعَلَّمْنَا فِي هَذَا الدَّرْسِ، تَعْمِيقَ اهْتِمَامِنَا فِي جَمِيعِ الِاتِّجَاهَاتِ الثَّلَاثَةِ. وَمِنْ ثَمَّ، نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرَى أَنَّ الْمُهِمَّةَ الَّتِي أَمَامَ طَالِبِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ هِيَ مُهِمَّةٌ هَائِلَةٌ. فَهُنَاكَ عَدَدٌ لَا يُحْصَى مِنْ الِاتِّجَاهَاتِ يَنْبَغِي السَّعْيُ وَرَاءَهَا، فِي كُلِّ مَوْضُوعٍ مِنْ مَوْضُوعَاتِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ.

إِنَّ هَذِهِ الْقَائِمَةَ الطَّوِيلَةَ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ وَهَذَا الْعَدَدُ الْكَبِيرُ مِنْ الْخِيَارَاتِ الَّذِي نُوَاجِهُهُ عِنْدَ بِنَاءِ فِكْرِنَا اللَّاهُوتِيِّ يَقُودُ، كَمَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ، إِلَى ضَرُورَةِ الْقِيَامِ بِـاخْتِيَارَاتٍ. فَعَلَيْنَا أَنْ نَخْتَارَ الْمَوْضُوعَاتِ وَنِقَاطَ التَّرْكِيزِ الَّتِي سَنَسْعَى وَرَاءَهَا.

سَيُخْبِرُكَ كُلُّ مَنْ يَعْمَلُ بِبِنَاءِ الْمَنَازِلِ، أَنَّهُ مِنْ الْجَيِّدِ التَّعَلُّمُ مِمَّا فَعَلَهُ الْآخَرُونَ. وَلَكِنْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَجِبُ عَلَى الْبَنَّائِينَ أَيْضًا تَحْدِيدُ مَا سَيَتَطَلَّبُهُ الْأَمْرُ لِإِكْمَالِ مَشْرُوعَاتِهِمْ الْخَاصَّةِ. وَمِنْ نَوَاحٍ كَثِيرَةٍ يَنْطَبِقُ الْأَمْرُ نَفْسُهُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَبْنِي الْفِكْرَ اللَّاهُوتِيَّ الْمَسِيحِيَّ. إِذْ إِنَّهُ مِنْ الْجَيِّدِ التَّعَلُّمُ مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ الْآخَرِينَ. فَهُنَاكَ الْكَثِيرُ لِنَتَعَلَّمَهُ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي حَدَّدُوهَا وَالطَّرِيقَةِ الَّتِي تَعَامَلُوا بِهَا مَعَ هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ. وَلَكِنْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَيْضًا لَا يَزَالُ يَتَوَجَّبُ عَلَى كُلٍّ مِنَّا تَحْدِيدُ مَا سَيَتَطَلَّبُهُ الْأَمْرُ لِبِنَاءِ فِكْرِنَا اللَّاهُوتِيِّ الْخَاصِّ. الْفِكْرِ اللَّاهُوتِيِّ اَلَّذِي يُعَزِّزُ خِدْمَتَنَا لِلَّهِ.

ثَمَّةَ خَطَرٌ جَسِيمٌ يُوَاجِهُهُ طُلَّابُ عِلْمِ اللَّاهُوتِ الْجُدُدُ. إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْمَوْضُوعَاتِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَتَعْقِيدُهَا أَمْرًا يُصِيبُ بِالْإِعْيَاءِ. فَفِي الْوَاقِعِ يُعَدُّ حَقْلُ عِلْمِ اللَّاهُوتِ وَاسِعًا إِلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ فِيهَا الْكَثِيرُ مِنْ الطُّلَّابِ فِعْلَ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ تَعَلُّمِ الْبَيَانَاتِ الْأَوَّلِيَّةِ عَنْ هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ. وَنَتِيجَةً لِذَلِكَ فَغَالِبًا مَا يَجِدُ الطُّلَّابُ أَنْفُسَهُمْ يُرَكِّزُونَ بِشَكْلٍ حَصْرِيٍّ تَقْرِيبًا عَلَى الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ سِوَى الْقَلِيلِ جِدًّا مِنْ الْوَقْتِ لِاسْتِكْشَافِ الْأَبْعَادِ الْأُخْرَى.

نُرِيدُ إِذًا أَنْ نَتَجَنَّبَ فِي هَذِهِ الدُّرُوسِ أَنَّ نُصَابَ بِالْإِعْيَاءِ تَحْتَ وَطْأَةِ هَذِهِ الْمَنْظُومَةِ الضَّخْمَةِ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ اللَّاهُوتِيَّةِ. لِذَلِكَ فَعِوضًا عَنْ مُحَاوَلَةِ تَقْدِيمِ الْمَوْسُوعَةِ الْكَامِلَةِ لِعِلْمِ اللَّاهُوتِ، سَنَقْتَصِرُ فَقَطْ عَلَى عَدَدٍ قَلِيلٍ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ الْمُخْتَارَةِ. وَسَنَصُبُّ تَرْكِيزَنَا حِينَ نَمْضِي قُدُمًا عَلَى جَوَانِبِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ الَّتِي سَوْفَ نَدْعُوهَا الِاهْتِمَامَاتَ اللَّاهُوتِيَّةَ الرَّعَوِيَّةَ، وَاَلَّتِي نَعْنِي بِهَا تِلْكَ الْمَجْمُوعَاتِ مِنْ الْمُعْتَقَدَاتِ وَالْمُمَارَسَاتِ وَالْعَوَاطِفِ الَّتِي يَعُودُ نَفْعُهَا بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ عَلَى الْقُسُوسِ وَقَادَةِ الْكَنِيسَةِ. سَوْفَ نَسْأَلُ أَنْفُسَنَا أَسْئِلَةً مِثْلَ: كَيْفَ يَحْتَاجُ الْأَشْخَاصُ الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ مِنْ أَجْلِ قِيَادَةِ الْكَنِيسَةِ إِلَى مُقَارَبَةِ دِرَاسَةِ اللَّاهُوتِ؟ مَا الَّذِي يَحْتَاجُونَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ؟ مَا الَّذِي يَحْتَاجُونَ إِلَى فِعْلِهِ؟ وَمَا الَّذِي يَحْتَاجُونَ إِلَى الشُّعُورِ بِهِ لَاهُوتِيًّا؟

وَلَكِنَّ الْأَمْرَ الْجَيِّدَ هُوَ أَنَّنَا غَيْرُ مُضْطَرِّينَ لِابْتِدَاعِ إِجَابَاتٍ عَنْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ. إِذْ إِنَّ الْكَنِيسَةَ قَدْ دَلَّتْ بِالْفِعْلِ عَلَى عِدَّةِ اتِّجَاهَاتٍ مُهِمَّةٍ. فَمَعَ تَطَوُّرِ التَّعْلِيمِ اللَّاهُوتِيِّ عَلَى مَدى الْقُرُونِ تَشَكَّلَ إِجْمَاعٌ بَيْنَ مَجْمُوعَةٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ. وَيُوجَدُ الْيَوْمَ اِتِّفَاقٌ عَامٌّ حَوْلَ أَنْوَاعِ اَلْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي يَجِبُ تَغْطِيَتُهَا عِنْدَ تَعْلِيمِ قَادَةِ الْكَنِيسَةِ.

يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُفَكِّرَ فِي الْكَثِيرِ مِنْ الْمَوْضُوعَات، عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِمُنَاقَشَةِ الْمَوْضُوعَاتِ اللَّاهُوتِيَّةِ الْمُهِمَّةِ فِي عَمَلِيَّةِ تَطْوِيرِ الْقَادَةِ الْمَسِيحِيِّينَ. فَبَادِئَ ذِي بَدْءٍ، يَدُورُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ كُلُّهُ حَوْلَ مَلَكُوتِ اللَّهِ وَعَهْدِهِ الْمُقَدَّسِ. وَهُنَاكَ أَيْضًا الْمَوْضُوعَاتُ التَّقْلِيدِيَّةُ فِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ النِّظَامِيِّ، مِثْلَ: اللَّاهُوتُ الْأَصِيلُ (عَقِيدَةُ اللَّهِ)، الْكِرِيسْتُولُوچي، النُّومَاتُولُوچي، الْأَنْثرپولُوْچي، الْإِسْخَاتُولُوچي، وَغَيْرُهَا. وَهُنَاكَ بِالطَّبْعِ مَوْضُوعَاتٌ أَكْثَرُ صِلَةً بِهَذَا الشَّأْنِ، مِثْلَ: اللَّاهُوتُ الْعَمَلِيُّ، وَتَارِيخُ الْكَنِيسَةِ. بِالنِّسْبَةِ لِي كَشَخْصٍ يُرَكِّزُ بِشَكْلٍ خَاصٍّ عَلَى تَطْوِيرِ قَادَةِ الْكَنِيسَةِ، أَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى مَعْرِفَةِ كَيْفَ يَكْرِزُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَمَتَّعُونَ بِمَوْهِبَةِ التَّعْلِيمِ. فَالْكِرَازَةُ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَسْأَلَةِ تَعْلِيمِ جَمْعٍ مِنْ النَّاسِ. بَلْ يَجِبُ عَلَى قَائِدِ الْكَنِيسَةِ أَنْ يَقُودَ تَلَامِيذَ، تَمَامًا مِثْلَمَا فَعَلَ الرَّبُّ يَسُوعُ مَعَ الرُّسُلِ.

— د. بياو شِن

غَالِبًا مَا يَنْقَسِمُ الْمِنْهَاجُ الدِّرَاسِيُّ النَّمَطِيُّ فِي أَيِّ مَعْهَدٍ مِنْ مَعَاهِدِ اللَّاهُوتِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ رَئِيسِةٍ تَبْدُو عَلَى هَذَا النَّحْوِ: اَلْقِسْمُ الْكِتَابِيُّ، اَلْقِسْمُ الْعَقَائِدِيُّ وَالتَّارِيخِيُّ، اَلْقِسْمُ الْعَمَلِيُّ. تُمَثِّلُ هَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ طُرُقًا رَئِيسَّةً قَادَ بِهَا الرُّوحُ الْقُدُسُ الْكَنِيسَةَ لِتَطْوِيرِ تَعْلِيمٍ لَاهُوتِيٍّ لِقَادَتِهَا. وَالْآنَ دَعُونَا نُفصِّلُ كُلَّ قِسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بَادِئِينَ بِـالْقِسْمِ الْكِتَابِيِّ.

يَنْقَسِمُ الْقِسْمُ الْكِتَابِيُّ عَادَةً إِلَى دِرَاسَاتِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، وَدِرَاسَاتِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ. وَتُرَكِّزُ هَذِهِ الْمَنَاطِقُ فِي الْمِنْهَاجِ الدِّرَاسِيِّ عَلَى مُحْتَوَى الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَتُعلُّمِ قَادَةِ الْكَنِيسَةِ الْمُسْتَقْبَلِيِّينَ تَفْسِيرِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ عَلَى نَحْوٍ مَسْؤُولٍ. وَيَنْقَسِمُ الْقِسْمُ الْعَقَائِدِيُّ وَالتَّارِيخِيُّ غَالِبًا إِلَى تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ وَاللَّاهُوتِ النِّظَامِيِّ. يُرَكِّزُ الْجُزْءُ الْخَاصُّ بِتَارِيخِ الْكَنِيسَةِ، عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي طَوَّرَ بِهَا اللَّهُ اللَّاهُوتَ فِي الْكَنِيسَةِ، فِي أَثْنَاءِ صِرَاعِ جَسَدِ الْمَسِيحِ مَعَ الْعَالَمِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. بَيْنَمَا يُعَرِّفُ اللَّاهُوتُ النِّظَامِيُّ الطُّلَّابَ بِالطُّرُقِ الَّتِي نَظَّمَتْ بِهَا الْكَنِيسَةُ تَعْلِيمَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ فِي تَرْتِيبَاتٍ مَنْطِقِيَّةٍ أَوْ نِظَامِيَّةٍ.

وَأَخِيرًا، يَلْفِتُ الْقِسْمُ الْعَمَلِيُّ الِانْتِبَاهَ إِلَى التَّطَوُّرِ الرُّوحِيِّ الشَّخْصِيِّ لِلطُّلَّابِ، وَإِلَى مَهَارَاتِ الْخِدْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ لَدَيْهِمْ، كَالْوَعْظِ وَالْكِرَازَةِ.

سَنَتَعرّف حِينَ نَتَقَدَّمُ فِي هَذِهِ السِّلْسِلَةِ مِنْ الدُّرُوسِ بِالْمَعَالِمِ الْمُهِمَّةِ المُتَصٍلة فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ اللَّاهُوتِيَّةِ. فَسَنَفْحَصُ الطُّرُقَ الَّتِي يَعْمَلُ بِهَا كُلُّ مَجَالٍ مِنْ هَذِهِ الْمَجَالَاتِ اللَّاهُوتِيَّةِ فِي سَعْيِنَا وَرَاءَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ. وَسَنَفْحَصُ أَيْضًا الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي تَعْمَلُ بِهَا هَذِهِ الْمَجَالَاتُ مَعًا فِي هَذَا الْمَسْعَى. سَنَضَعُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ أَهْدَافَنَا اللَّاهُوتِيَّةَ الثَّلَاثَةَ فِي الِاعْتِبَارِ وَنَحْنُ نَدْرُسُ كُلَّ قِسْمٍ. فَلَنْ نُرَكِّزَ فَقَطْ عَلَى اَلْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ، بَلْ سَنُرَكِّزُ كَذَلِكَ عَلَى الْأُرْثُوبَرَاكْسِيس وَالْأُرْثُوبَاثُوس. وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ سَوْفَ نَعْمَلُ عَلَى بِنَاءِ لَاهُوتٍ مَسِيحِيٍّ مَسْؤُولٍ.

لَقَدْ اَكتْشَفْنَا فِي هَذَا الدَّرْسِ السُّؤَالَ الْأَسَاسِيَّ الْأَهَمَّ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَخُوضُ مُغَامَرَةَ دِرَاسَةِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ، أَلَا وَهُوَ "مَا هُوَ عِلْمُ اللَّاهُوتِ؟". وَقَدْ تَطَرَّقْنَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ لِهَذَا السُّؤَالِ: تَعْرِيفَاتُ عِلْمِ اللَّاهُوتِ، وَأَهْدَافُ عِلْمِ اللَّاهُوتِ، وَمَوْضُوعَاتُ عِلْمِ اللَّاهُوتِ.

إِنَّ بِنَاءَ الْفِكْرِ اللَّاهُوتِيِّ هُوَ امْتِيَازُ وَمَسْؤُولِيَّةُ كُلِّ مَنْ يَتْبَعُ الْمَسِيحَ. وَكَمَا رَأَيْنَا فِي هَذَا الدَّرْسِ، يَحْمِلُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ عَلَى نَحْوٍ رَسْمِيٍّ تَحَدِّيَاتٍ وَفُرَصٌ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ مُنْتَبِهِينَ لِتَجَنُّبِ الْمَسَارَاتِ الَّتِي تَضُرُّ بِطَرِيقَةِ تَفْكِيرِنَا وَتَصَرُّفِنَا وَشُعُورِنَا تِجَاهَ الْإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ. وَيَجِبُ عَلَيْنَا أَيْضًا أَنْ نَفْعَلَ كُلَّ مَا فِي وُسْعِنَا لِلسَّعْيِ وَرَاءَ عِلْمِ اللَّاهُوتِ بِطُرُقٍ تُحَسِّنُ كَيْفِيَّةَ تَفْكِيرِنَا وَتَصَرُّفِنَا وَشُعُورِنَا كَخُدَّامٍ لِلْمَسِيحِ. تُعَدُّ الْقَضَايَا الَّتِي تَنَاوَلْنَاهَا فِي هَذَا الدَّرْسِ أَسَاسِيَّةً إِلَى دَرَجَةِ أَنَّهَا سَتُؤَثِّرُ عَلَى هَذِهِ السِّلْسِلَةِ الْكَامِلَةِ مِنْ الدُّرُوسِ بِشَأنِ بِنَاءِ فِكْرِكَ اللَّاهُوتِيِّ. وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ سَنَكُونُ مُؤَهَّلِينَ عَلَى نَحْوٍ أَفْضَلَ لِبِنَاءِ لَاهُوتٍ يُكْرِمُ الْمَسِيحَ فِي حَيَاتِنَا الشَّخْصِيَّةِ، وَفِي الْكَنِيسَةِ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ، وَيَمُدُّ مَلَكُوَتَهُ فِيهِمَا.

د. فينسنت باكوت (المُقدم) أستاذ اللاهوت في كلية ويتون للاهوت. حصل د باكوت على درجة الماجستير في اللاهوت من كلية ترينتي الإنجيليّة للاهوت، ودرجو الماجستير والدكتوراة في الدراسات اللاهوتية والدينية من جامعة درو. وقد فام بتأليف وتحرير العديد من الكتب.

ق. عازر عجاج مدير العلاقات العامة ومحاضر في كلية الناصرة الإنجيلية في الناصرة، إسرائيل.

د. همفري اكوجيرام أستاذ في كلية البشارة للاهوت، غانا.

د. مارك باتلاك أستاذ في كلية بيت لحم للاهوت.

د. بياو شِن مدير المشاروعات الصينية في خدمات الألفية الثالثة.

د. جيمس ديو أستاذ مساعد لتاريخ العقائد والفلسفة في الكلية المعمدانية الجنوبية الشرقية للاهوت.

د. جيف دريدن أستاذ الدراسات الكتابية في كلية كوفننت للاهوت.

ق. هاتش جارماني راعي ومؤسس كنيسة مجتمع النعمة، ترنتون، جورجيا الأمريكية.

د. كِلي كابيك أستاذ الدراسات اللاهوتية في كلية كوفننت للاهوت.

د. سكات مانور أستاذ اللاهوت التاريخي، ونائب الرئيس للشؤون الأكاديميّة، وعميد الأساتذة في كلية نوكس للاهوت.

د. جريج بيري نائب الرئيس للمشروعات الاستراتيجية بخدمات الألفيّة الثالثة.

د. روبرت بلامر أستاذ تفسير العهد الجديد في الكلية المعمدانية الجنوبية للاهوت.

د. ريتشارد برات المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لخدمات الألفية الثالثة.

د. ديفيد صامويل مدير جمعية اتحاد التعليم اللاهوتي بالامتداد، في بنغالور، الهند.

ق. بابلو توريس راعي إغليسيا لا فينيا في أورلاندو، فلوريدا.

د. لاري تروتر راعي كنيسة ساحل فلوريدا في بومبانو بيتش، فلوريدا، وأستاذ مساعد في كلية نوكس للاهوت.

د. سايمون فايبرت راعي كنيسة المسيح في فيرجينيا وواتر، إنجلترا، والنائب السابق لمدير مدرسة الوعظ في كليَّة ويكليف هول، أكسفورد.

قائمة المصطلحات العسرة

وِيلْيَامْ إِيمِس - الْپيُورِيتَانِيُّ(التَّطَهُّرِيُّ) الْمُؤَثِّرُ

(1576-1633) ومؤلف كتاب "لُبَّ اللَّاهُوتِ"

أَنْثَرَپُولُوچِي - مصطلح لاهوتي لدراسة الإنسان أو العقيدة عن الإنسان

الدِّفَاعِيَّاتُ – مجال دراسة الدِّفَاعُ عَنْ الْإِيمَانِ المسيحي

تُومَا اَلْأَكْوِينِيُّ - (تقريبًا 1225-1274م) لَّاهُوتِيُّ كَاثُولِيكِيُّ ايطالي وراهب دومينيكاني والذي كتب سُومَا ثِيُولُوچيكَا.

اللَّاهُوتِ الْكِتَابِيِّ – تفكير لاهوتي مستمد من التحليل التاريخي لأعمال الله المذكورة في الكتاب المقدس

كِرِيسْتُولُوچي - هو كل ما يختص بدراسة وعَقِيدَةُ عن شخص يسوع الْمَسِيحِ وعمله

العقيدة – تجميع وشرح لتعاليم الكتاب المقدس حول موضوع لاهوتي

إِكْلِيسْيُولُوچي – هو كل ما يختص بدراسة أَوْ عَقِيدَةُ الْكَنِيسَةِ

النَّزْعَةِ الْعَاطِفِيَّةِ - التركيز غير المتناسب والمفرط على العواطف

إرجاتس - مصطلح يوناني (حرفي) يعني "أجير" أو "عامل"

إِسْخَاتُولُوچي- هو كل ما يختص بدراسة أَوْ عَقِيدَةُ الْأَزْمِنَةِ الْأَخِيرَةِ

جوِن فرِيم – (1939-) عالم لاهوت وأستاذ جامعي معاصر. مؤلف كِتَابِ [عَقِيدَةُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ والعديد من العناوين الأخرى

هِيرِمِينْيُوتِيكس - دراسة تفسير معنى الكتاب المقدس وأهميته (عِلْمُ التَّفْسِيرِ)

اللَّاهُوتُ التَّارِيخِيُّ - تَتَبُّعُ تَطَوُّرِ الْعَقَائِدِ عَبْرَ تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ

تِشَارْلِزْ هُودْچ - (1797-1878) لاهوتي شهير من كلية پرينستون للاهوت، والذي كتب العديد من التفاسير، والمقالات، والكتب، بما في ذلك مجلداته الثلاث عن اللاهوت النظامي.

عِلْمُ الْوَعْظِ – فن أو حرفة الوعظ

النَّزْعَةِ الْعَقْلَانِيَّة - التركيز غير المتناسب على العقلانية دون النظر إلى الاعتبارات العاطفية أو السلوكية

النَّزْعَةِ النَّامُوسِيَّةِ - التركيز غير المتناسب على حفظ القانون الأخلاقي أو الالتزام به بغض النظر عن الإيمان أو إنجيل المسيح

لوجوس [λόγος] - مصطلح يوناني (مكتوب بحروف عربية) يعني "الكلمة" أو "الدراسة"، وهو لقب مختص بالمسيح (يوحنا 1: 1).

الْأُرْثُوذُكْسِيَّةُ - التَّفْكِيرَ الصَّحِيحَ أَوْ الْقَوِيمَ

اَلْأُرْثُوبَاثُوس - الْمَشَاعِرَ الصَّحِيحَةَ أَوْ الْعَوَاطِفَ الصَّحِيحَةَ

الْأُرْثُوبِرَاكْسِيسْ - السُّلُوكِ الصَّحِيحِ أَوْ الْمُمَارَسَةِ الصَّحِيحَةِ

نُومَاتُولُوچي - العَقِيدَةُ عن الرُّوحِ الْقُدُسِ

اَللَّاهُوتِ الْعَمَلِيَّ - اللاهوت الذي يتم تطبيقه على الحياة اليومية للمؤمنين

سُوتِيرِيُولُوچي - عَقِيدَةُ الْخَلَاصِ

سُومَا ثِيُولُوچيكَا - أشهر أعمال توما الأكويني؛ مكتوب من تقريبا. 1265-1274 كدليل تعليمي لطلاب اللاهوت المبتدئين

اللَّاهُوتِ النِّظَامِيِّ - الطُّرُقِ الَّتِي نَظَّمَتْ بِهَا الْكَنِيسَةُ تَعْلِيمَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ فِي تَرْتِيبَاتٍ مَنْطِقِيَّةٍ أَوْ نِظَامِيَّةٍ.

لاهوت - أي أمر يتعلق مباشرة بالله، أو يصف موضوعات لها علاقة بالله.

اَللَّاهُوتُ اَلْأَصِيلُ - هو كل ما يختص بدراسة أَوْ عَقِيدَةُ عن اَللَّهِ؛ أي مسألة لاهوتية تشير مباشرة إلى الله

ثِيُوسْ (θεός) - كلمة يونانية (مترجمة بحروف عربية) تعني اَللَّهُ.

شَبَكَاتٍ مِنْ التَّبَادُلَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ - روابط منطقية متعددة بين المعتقدات أو الأنظمة المختلفة

Continue reading the full transcript